انتقل إلى المحتوى

قادة الفكر/العصر الحديث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
قادة الفكر (1925)
 المؤلف طه حسين
العصر الحديث

العصر الحديث

—١—

أما في هذا العصر فيجب أن يتغير مذهبنا في البحث لان موضوع هذا البحث نفسه قد تغير ولأن الظروف التي تحيط بالعقل الانساني قد تغيرت تغيراً عظيماً وظهرت فروق كثيرة بينها وبين تلك الظروف التي كانت تحيط بهذا العقل أثناء العصور القديمة والقرون الوسطى

كانت قيادة الفكر للشعر أو للفلسفة أو للسياسة أو للدين. وكان من الغريب أو من النادر أن تشترك هذه الاشياء اشتراكا ظاهراً في توجيه شعب من الشعوب أو عصر من العصور. وانما كانت حياة الأمم المتحضرة في هذه العصور تصطبغ صبغة ظاهرة جلية هي الصبغة الادبية أو الفلسفية أو السياسية أو الدينية. أما في هذا العصر الحديث فأنت تضيع وقتك وقوتك إن حاولت أن تجد لشعب من الشعوب أو قرن من القرون صبغة واحدة تستأثر به وتشتمل على جميع أطرافه. وانما أنت مضطر حين تبحث عن قيادة الفكر أثناء العصر الحديث إلى أن توزعها بين أمور مختلفة لان ظروف الحياة نفسها قد وزعتها بين هذه الأمور فلم تستأثر الفلسفة ولم يستأثر الشعر ولم تستأثر السياسة ولم يستأثر الدين بقيادة الفكر في فصل من فصول هذه القصص التي يكونها العصر الحديث وانما اشتركت هذه الامور كلها في قيادة الفكر وان شئت التحقيق والدنو من الاصابة فقل ان هذه الامور كلها قد تنافست واشتد بينها النزاع في قيادة الفكر فقهر بعضها بعضاً وأخذ كل منها بنصيب من توجيه العقل الانساني والتأثير في حياة الشعوب

وآية ذلك انك تنظر في أي وقت من أوقات هذا العصر الحديث فاذا أنت أمام فلسفة تجاهد لتسيطر على الحياة وسياسة تجاهد لتصوغ الحياة كما تحب ودين يناضل ليحتفظ بمكانته وسلطانه. وأدب يجدّ ليكون له التفوق والفوز ولكل واحد من هذه الاشياء زعماؤه وممثلوه والداعون اليه والذائدون عنه حتى في الأوقات التي يخيل اليك فيها ان أمراً من هذه الأمور قد ظهر تفوقه واستأثر بالفوز والغلبة. فقد يخيل اليك ان عصر الثورة الفرنسية مثلاً كان عصر سياسة ليس غير ولكن فكر قليلا وأتقن درس هذا العصر تجده عصر سياسة وعصر حرب وعصر علم وعصر فلسفة وعصر تشريع بل عصر دين أيضاً. وتجد كل هذه الامور تزدحم وتتنافس. وتستبق الى قيادة الفكر تريد أن تستأثر بها وتسيطر عليها

—٢—

وقد يكون من الحق أن تلتمس العلة لهذه الظاهرة الجديدة التي وزعت قيادة الفكر بين طائفة من المؤثرات ولم تقصرها على مؤثر واحد كما كان الأمر في العصور الأولى

ولعلنا لا نتكلف كثيراً من العناء في التماس العلة لهذه الظاهرة فقد نلاحظ ان المطبعة اخترعت في هذا العصر وانها أثرت فيه آثاراً لا سبيل إلى تقديرها فأذاعت كتب القدماء والمحدثين ومضت في هذه الاذاعة لا تقف عند حد ولا تنتهي الى غاية ولا تستطيع القوانين والنظم المختلفة أن تقيدها. فبينما كانت تذيع في هذا البلد الكتب الدينية كانت تذيع في ذلك البلد الكتب الفلسفية وكانت تذيع في بلد آخر كتباً أدبية وعلمية وفنية

وبينما كان القانون يضيق عليها في هذا البلد فلا يبيح لا لها اذاعة كل شيء كان القانون يرخص لها في ذلك البلد فيتركها تذيع ما تشاء. وكان الكاتب أو العالم أو الفيلسوف لا يظفر بانتشار كتبه في العصور الاولى الا اذا ظفر بشيء من الشهرة وبعد الصيت يرغب الناس في آثاره ولم يكن الظفر بهذه الشهرة سهلا ولا يسيراً. أما الآن فقد يسرت المطبعة على كل ذي رأي أن يذيع رأيه ويناضل عنه وعلى كل باحث أن ينشر ثمرات بحثه بين الناس ولم تكد تظهر المطبعة وتأخذ فيما أخذت فيه من النشر والاذاعة حتى ظهرت آثار ذلك قوية في حياة العصر الجديد فكثرت الآراء واختلفت أو قل ظهرت كثرة الآراء واختلافها واستطاعت أن تجاهد وتختصم وتتنافس في قوة وسرعة لم يكن للناس بهما عهد من قبل

ومن هنا استطاعت كل هذه الامور التي ذكرناها آنفاً وهي الفلسفة والأدب والسياسة والدين والعلم أن تظهر وتلتمس حقها في الوجود وتظفر بهذا الحق. ومن هنا لم يكن العصر الحديث مصطبغاً بصبغة واحدة ظاهرة كالعصور التي سبقته ومن هنا لم يكن من الحق ولا من الصواب أن تبحث في هذا العصر عن قيادة واحدة للفكر أو عن نوع واحد من قادة الفكر. انما أنت مضطر الى أن تبحث عن قيادات للفكر وعن أنواع من قادة الفكر

وخذ القرن السابع عشر مثلا والتمس فيه المؤثر في قيادة الفكر فلن تستطيع أن تقول انه كان عصر فلسفة خالصة أو عصر سياسة خالصة أو عصر أدب خالص أو عصر دين خالص. وانما كان عصر هذه الأشياء جميعاً. بل هناك ظاهرة أخرى ليست أقل من هذه الظاهرة خطراً وهي تمثل الاختلاف العنيف بين العصر الحديث والعصور التي سبقته ولا سيما العصر القديم

فقد كانت قيادة الفكر في العصور الأولى لأمر من هذه الأمور التي أشرنا اليها وكانت في الوقت نفسه لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب

كانت لليونان ثم كانت للرومان ثم كانت للعرب ثم عادت الى أوربا فكانت للكنيسة أي لمدينة روما أو قل كانت قيادة الفكر المدينة من المدن—لآثينا وللاسكندرية ولروما ولمكة وللمدينة ولبغداد وللقاهرة ولقرطبة ثم لروما

أما في العصر الحديث فقد تغير هذا كله وكما ان قيادة الفكر لم تكن الى الدين أو الفلسفة أو الادب أو السياسة وانما كانت لها كلها فهي لم تكن لامة يعينها ولا لمدينة بعينها وانما كانت للامم المتحضرة جميعاً وللمدن الظاهرة في هذه الامم وذلك كله أثر من آثار المطبعة

وخذ هذا القرن السابع عشر وابحث عن الفلسفة فيه. فقد كانت في العصور الاولى يونانية أو اسكندرية أو عربية. أما الآن فلن تكون فرنسية ولا انجليزية ولا ألمانية وانما لكل أمة من هذه الامم فلسفتها والأمر كذلك في الادب وهو كذلك في السياسة وهو كذلك في الفن والعلم ونوشك أن نقول انه كذلك فيه الدين أيضاً

للفرنسيين ديكارت والانجليز باكون. للفرنسيين شعراؤهم الممثلون وللانجليز شكسبير. للفرنسيين لويس الرابع عشر وريشليو وللانجليز كرومويل. ونستطيع أن نذكر في الفلسفة والادب والسياسة والدين والعلم والفن أسماءً ايطالية وألمانية وهولندية

وعلى هذا النحو اشتد توزع قيادة الفكر بين المؤثرات المختلفة من جهة وبين الأمم والمدن من جهة أخرى وأخذ يزداد شدة كلّما كثرت المطابع وكثرت آثارها المنشورة حتى انتهى الأمر في القرن الثامن عشر الى شيء يشبه الفوضى بل الى الفوضى. وما أظن اني أقول جديداً ان زعمت ان المطبعة من أهم المؤثرات في الثورة الفرنسية التي لم يفق منها العالم بعد

—٣—

ولم يقف الأمر بالمطبعة عند نشر الكتب والرسائل وما اليها وعند استحداث ما استحدثت من الآثار في القرن السادس عشر والسابع عشر ولكن المطبعة استتبعت شيئاً آخر غير الكتب والرسائل. استتبعت الصحف اليومية والدورية كما يقولون

وما أظن انك في حاجة الى أن أدلك على ان ظهور الصحف السياسية والعلمية والادبية قد قوى توزع قيادة الفكر وانتهى به الى حد غريب فقد كان العلماء والكتاب والفلاسفة والساسة ينشئون كتبهم وينشرونها فيستغرق ذلك منهم الأشهر والأعوام ويستتبع ذلك بطء فيما يكون ينهم من النزاع والنضال والاستباق الى قيادة الفكر. أما بعد ان ظهرت الصحف فالنزاع يومي أو أسبوعي أو شهري. هو عنيف وهو سريع وهو متصل. وهو مؤثر في توزيع قيادة الفكر بمقدار ما يشتد ويسرع ويستمر

والنتيجة الظاهرة لهذا كله هو اننا كنا نجد في العصور الاولى رجلا يقود شعباً وشعباً يقود العالم. أما الآن فقلما يظفر الرجل بقيادة مدينة أو فرقة في مدينة وهو ان ظفر بذلك فانما يظفر به الى حد وعلى مشقة وجهد الّا أن يكون فذاً من أفذاذ التاريخ حقاً أو يكون في أمة جاهلة لم تظفر المطبعة فيها بهذا السلطان العظيم ولم يكثر فيها القراء والكاتبون

أحب أن تلتمس قيادة الفكر لا أقول في العالم ولا أقول في أوربا وأميركا. وانما أقول في فرنسا وحدها الآن لأي نوع من أنواع المؤثرات هي: أللفلسفة؟ ولأي فلسفة؟ ألفلسفة الوضعيين أم لاصحاب ما بعد الطبيعة؟ ولأي فريق من هؤلاء؟ أم هي للدين؟ ولأي دين ؟ أللكاثوليكية أم للانجيلية؟ أم هي للادب؟ ولأي مذهب من مذاهب الادب؟ فقد يكون احصاء هذه المدارس عسيراً. أم هي للسياسة؟ ولأي لون من ألوان السياسة؟ للجمهورية المعتدلة أم للديمقراطية المتطرفة؟ أم للملكية؟ أم للامبراطورية؟ أم للشيوعية؟ أم للاشتراكية؟

وتستطيع أن تسأل هذا السؤال بالقياس الى كل بلد من بلاد أوربا الراقية

—٤—

وكأن المطبعة وما استتبعت من النشر والاذاعة والصحف وما استتبعت من الالحاح في النشر والاذاعة لم تكن تكفي لتوزيع قيادة الفكر بين المؤثرات المختلفة والامم المختلفة والفرق المختلفة. فاستحدث هذا العصر الجديد شيئاً آخر أو أشياء أخرى يخيل الينا في ظاهر الأمر أنها تعين على توحيد الكلمة وجمع الرأي وقصر قيادة الفكر على مؤثر بعينه أو أمة بعينها. ولكنها في حقيقة الأمر تجمع الناس وتقرب ما بينهم من المسافات المادية والمعنوية وهي في الوقت نفسه تمعن في توزيع قيادة الفكر امعاناً غريباً.

هذه الاشياء هي ما اتفقنا على تسميته أسباب المواصلات

ألغيت المسافات أو كادت تلغى. لا نقول بين الأمم والشعوب بل نقول بين القارات الى أن يأتي اليوم الذي تقول فيه الأجيال المقبلة بين الافلاك والكواكب وأصبحنا بفضل البخار والكهرباء وبفضل التلغراف والتليفون نستطيع أن نعرف في مصر آخر النهار ما يقع في أقصى الغرب أو أقصى الشرق أو أقصى الشمال والجنوب في أوله. وأصبح الفيلسوف أو الأديب أو العالم لا يكاد يخرج كتابه للناس في بلده الذي يعيش فيه حتى ينتشر هذا الكتاب في أطراف الأرض فاذا هو يدرس ويلخص ويترجم ويفسر ويناقش في البلاد الأجنبية واذا هو يحدث آثاراً مختلفة في البلاد والبيئات المختلفة واذا آثاره تمعن في التغلغل وتتعمق في حياة الشعوب—كل ذلك ولم يمض على ظهور كتابه عام أو بعض عام واذا اصداء هذا الكتاب المختلفة تتجاوب في اقطار الأرض وترقد إلى حيث ظهر الكتاب. وأصبح الرجل من رجال السياسة لا يكاد يكتب فصلاً أو يلقي خطبة أو يفضي إلى أحد بحديث حتى يتناول البرق ما قال أو ما كتب فينشره في جميع أطراف الأرض ولم يمض على قوله أو كتابته ساعات. ولعلك تلاحظ أن الصلة بيننا وبين المدن الكبرى في أوربا وأميركا قد ألغت المسافة بالفعل فيما يتصل بالسياسة. فنحن نقرأ ما تكتبه الصحف الانجليزية مثلاً في اليوم الذي تكتبه فيه والأنجليز يقرأون ما نكتب وما نقول كذلك. بل تجاوز الأمر هذا الحد وأصبح الخطباء السياسيون في الأحداث الكبرى يلقون خطبهم لا نقول في المئات والآلاف من الناس بل نقول في مئات الآلاف

و ظاهر هذا كله أن قد اشتدت الصلة بين الجماعات فقرب بعضها من بعض واستطاع بعضها أن يفهم بعضاً. وكان من المعقول أن يكون هذا كله سبباً في توحيد قيادة الفكر وقصرها على شعب من الشعوب أو مدينة من المدن أو لون من ألوان المفكرين. ولكن هذا ليس من الحق في شيء وانما الحق انا لا نعرف عصراً من العصور توزعت فيه قيادة الفكر كما توزعت في هذا العصر

ومصدر ذلك أن اصطناع المطبعة والصحف والبرق والتليفون وأدوات البخار والكهرباء ليس مقصوراً على شعب من الشعوب ولا على مدينة من المدن ولا على فرقة من الفرق المفكرة وانما هو شائع بين أمم الأرض وهذه الأمم كلها تجاهد وتناضل لتحيا وتسود والأفراد في هذه الاهم يناضلون ويجاهدون ليحيوا ويسودوا وهم يصطنعون هذه الأدوات ويستعينون بها على ما يريدون من سيادة وقيادة للفكر

والأفراد يتنافسون والشعوب تتنافس والنتيجة الظاهرة لهذا التنافس أن قيادة الفكر موزعة في الشعوب بين الأفراد النابهين وهي موزعة في العالم بين الشعوب النابهة

واذن فكل شيء يدل على أنه لم يبق أمل في أن نحصر قيادة الفكر في مؤثر بعينه ولا في شعب بعينه ولا في فرقة بعينها من فرق المفكرين وانما السبيل هو أن نبحث عن قيادة الفكر في كل مظهر من مظاهر الحياة العقلية على حدة بل أن نوزع هذا البحث على الامم النابهة والشعوب الممتازة

—٥—

ومع هذا كله فقد أراد اللّٰه أن يخضع النوع الانساني لظاهرة لم يجد إلى الآن سبيلاً إلى أن يخلص منها وليس هو في حاجة إلى أن يخلص منها والخير كل الخير هو ان يستمر خضوعه لها و تأثرة بها

هذه الظاهرة هي ظاهرة النبوغ التي تكره الأمم والشعوب والانسانية كلها أحياناً على أن تعترف بفرد من الأفراد وتذعن لقوته العقلية أو الفنية أو السياسية رغم ما فيها من قوى وكفايات ومن جهاد بين هذه القوى والكفايات

وليس هنا موضع البحث عن النبوغ والتماس لأصوله والمؤثرات فيه وانما يكفي أن نلاحظ أن النبوغ ظاهرة اجتماعية عرفها أكثر العصور ولم يستطع تغير الظروف واستحالة أطوار الحياة أن يمحوها أو يزيلها أو يضع من قدرها

فقد تستطيع المطبعة أن تنشر وتذيع وتسرف في النشر والاذاعة وقد يستطيع الناس أن يجاهدوا ويناضلوا ويستحدثوا الآثار المختلفة في ألوان الحياة وفروعها ولكن شيئاً من هذا لن يستطيع أن يمحو نبوغ ديكارت وأنه قد صبغ الفلسفة الحديثة صبغة خاصة ممتازة ووجهها وجهة خاصة مكنتها من الانتاج والإثمار

ولن يستطيع شيء من هذا أن يمحو ما كان لروسو من أثر في حياة الشعوب وفي سياسة العصر الحديث. ولن يستطيع شيء من هذا أن يمحو ما كان لفيكتور هوجو من أثر في الشعر الفرنسي والأدب الفرنسي الحديث بوجه عام

النبوغ اذن ظاهرة اجتماعية واقعة نشهدها من حين الى حين. الأفراد النابغون مهما تعترضهم العقاب ومهما يكتنفهم من الظروف لهم من قيادة الفكر والسيطرة عليه حظ يلائم نصيبهم من النبوغ

فاذا قلنا أن قيادة الفكر في القرن السابع عشر لم تكن إلى الفلسفة وحدها فنحن مضطرون إلى أن نقول أن قيادة الفكر الفلسفي في هذا العصر كانت إلى ديكارت. واذا قلنا أن قيادة الفكر في هذا العصر لم تكن للسياسة وحدها فنحن مضطرون إلى أن نقول أن قيادة الفكر السياسي في هذا العصر كانت لريشيليو وكرومويل ولويس الرابع عشر

وقل مثل ذلك في الأدب والفن والعلم والدين. وكل ما بين هذا العصر و العصور السابقة من الفروق هو أن قيادة الفكر قد تنوعت وتوزعت في العصر الحديث فأصبحتَ مضطراً إلى أن تقسم البحث عنها إلى فصول وتلتمسها عند كثير من الناس في كثير من الامم بعد أن كنت تستطيع أن تجمع البحث عنها في فصل واحد وتلتمسها عند رجل واحد في شعب واحد أو مدينة واحدة

وبين يدينا كتاب «لاميل فاجيه» حاول فيه أن يدرك قادة الفكر في الاخلاق والسياسة وحدهما وفي فرنسا وحدها وفي القرن التاسع عشر وحده فلم يستطع أن يكتب أقل من ثلاثة أسفار ضخام

—٦—

وكم كنت أحب أن أمضي في هذا الحديث فأدرس النابهين من قادة الفكر المحدثين كما درست النابهين من قادة الفكر القدماء. ولكنك سترى معي أن هذا السفر قد طال وانتهى إلى غاية يحسن الانتهاء اليها والوقوف عندها وأن درس المحدثين من قادة الفكر على اختلاف ما تفوقوا فيه من فروع حياة العقل والشعور يحتاج لا أقول إلى سفر آخر بل إلى أسفار

وأنا أتمنى (وما أكثر ما يتمنى الانسان) أن يتيح اللّٰه لي من سعة الوقت وفراغ البال والنشاط لمثل هذا البحث ما يمكني من المضي فيه حتى أتمه على النحو الذي قدمته في سفر أو أسفار ولكن علم هذا كله عند اللّٰه

فأنا أقدم اليك هذا السفر الذي قدرت عليه ولست أطمع في أن يبلغ منك مكان الرضا وانما أرجو أن يقع منك موقع النفع في غير مشقة ولا املال

وأظنك تأذن لي في أن أعتذر اليك مما قد تجد في هذا الكتاب من تفاوت واختلاف. فقد كنت أريد أن أفرغ لكتابته حيناً ولكن ظروف الحياة أرادت غير هذا فكتبت بعض فصوله في بريطانيا وكتبت بعض فصوله الأخرى في باريس وأتممته في القاهرة وكنت في بعض هذه الأوقات راضياً مطمئناً مستريحاً إلى الحياة والأحياء فارغ البال الا مما يلذ ويسر وكنت في بعضها الآخر ساخطاً أو كالساخط مكدوداً موزع القوة بين أعمال مختلفة من الدرس والكتابة وغير الدرس والكتابة. ولعلي لا أتجاوز الحق ان قلت أني قد اختلست هذا الكتاب اختلاساً. اختلست بعضه من أوقات راحتي في فرنسا واختلست بعضه الآخر من أوقات عنائي في مصر. وأنا أتمنى لهذا الكتاب ألا يختلس قراؤه قراءته كما اختلس كاتبه كتابته وأن يتيح اللّٰه لقرائه ما لم يتح لي من الراحة والنشاط وفراغ البال