قادة الفكر/الإسكندر
الإسكندر

(١) كانت قيادة الفكر الى الشعراء أول عهد العالم القديم بالوجود الاجتماعي والسياسي ثم ارتقى هذا العالم القديم من الوجهة الاجتماعية والسياسية والعقلية فانتقلت قيادة الفكر من الشعر الى الفلسفة وأصبح قادة الفكر فلاسفة ومفكرين بعد أن كانوا أصحاب شعر وخيال. ولكن هذه الفلسفة نفسها جدت في سبيلها التي سلكتها الى الرقي وانتهت الى ما لم يكن بد من أن تنتهي اليه فأحدثت في النفوس شكاً وتناولت النظم القائمة بالنقد حتى هدمتها أو كادت. تهدمها، وظهر أنها عاجزة عن قيادة الفكر بعد أن وصلت الجماعات الى هذا الطور الذي وصلت اليه في القرن الرابع قبل المسيح كما ظهر منذ قرون عجز الشعر عن قيادة الفكر بعد أن تبدلت الحياة الاجتماعية والسياسية، ولم يكن بد من أن تنزل الفلسفة عن سلطانها الشيء آخر يخلفها على قيادة الفكر وتوجيه الحياة الانسانية وجهة جديدة تلائم هذه الاطوار الجديدة التي انتهت اليها الجماعات. وفي الحق أن هذا القرن الرابع قبل المسيح كان عصر انتقال عام تظهر آثاره في جميع أجزاء العالم القديم في الشرق الاسيوي وفي الغرب الأوربي وفي بلاد اليونان خاصة وشبه جزيرة البلقان بوجه عام. فأنت حين تستعرض تاريخ العالم القديم في هذا العصر لا تجد إلا تغيراً وتبدلاً في النظم وأصول الحكم في الاخلاق والعادات بل في الشعور الديني نفسه. أما في الشرق فقد كانت الدولة الفارسية العظمى التي بسطت سلطانها على أعظم امبراطورية عرفها تاريخ الشرق القديم واخضعت لهذا السلطان بلاد الفراعنة وبلاد البابليين والاشوريين والفينيقيين، كانت قد انتهت الى شيء من الضعف آذن بان سقوطها قد أصبح أمراً ليس منه بد، كان الفساد قد اشتمل على ملوكها وزعمائها وكان الترف قد عبث بعامة شعبها الذي كان مصدر قوتها وبأسها وكان العصيان قد انبث في اقطار الأرض التي خضعت لها فاصبحت هذه الاقطار ثائرة مضطربة يطمع بعضها في استرداد استقلاله القديم ويخضع بعضها الآخر لأطماع الحكام والمستبدين. وكانت السلطة المركزية قد يئست من أن تقبض بنفسها على ازمة الامر فلجأت الى اعدائها اليونان تجندهم لحماية أقطارها وتستأجرهم للدفاع عن سلطانها، وكانت الامة اليونانية على ما علمت في الفصل الماضي من الضعف والانحلال والفساد الخلق والسياسي والزهد في هذه النظم السياسية التي الفتها والتي ظهر فسادها وعجزها عن ضبط الأمور، ولم تكن ايطاليا ولا غرب أوربا أقل اضطراباً من بلاد اليونان والشرق فقد كانت مدينة روما الناهضة تبسط سلطانها الجديد قليلاً قليلاً على إيطاليا وكان الجهاد عنيفاً بينها وبين عناصر مختلفة كانت تنازعها السلطان، كان الجهاد عنيفاً بينها وبين المستعمرات اليونانية الايطالية وكان عنيفاً بينها وبين الفينيقيين من أهل قرطاجنة وكان عنيفاً بينها وبين المدن الايطالية التي كانت تستمتع بالحياة المستقلة في أمن وسلم فاصبحت الآن ترى هذه الحياة المستقلة معرضة للخطر، ذلك الى هذه القبائل البربرية التي أخذت تندفع الى بلاد ايطاليا والى غرب أوربا والتي لم تجد روما بداً من أن تقف منها موقف المدافع المانع—كل شيء في العالم القديم كان يدل في هذا القرن الرابع على أن الحياة الانسانية في حاجة الى أن تتجدد وعلى أن النظم الانسانية في حاجة إلى أن تنغير وعلى أن القوة لا بد من أن تظهر لتضبط الأمر وتقضي على هذه الفوضى العامة
(٢) وكان لهذه القوة المنتظرة مركز ان أحدهما قريب من الشرق في مقدونيا والآخر قريب من الغرب في روما ولكن هذه القوة المقدونية كانت فيما يظهر أقدر على الظفر وأخلق بالانتصار من القوة الرومانية لأنها كانت قريبة من مركز الحياة الادبية والسياسية القوية كانت قريبة من اليونان شديدة الاتصال بهم وكانت قريبة من آسيا أيضاً. ولست في حاجة إلى أن أذكر لك مقدونيا وتاريخها ولا إلى أن أفضل لك نهضتها السياسية واستئثارها بالقوة فكل ذلك شيء لا يعنينا الآن وإنما الذي يعنينا هو أن ملكا من ملوكها وهو فيليب قد استطاع أن يكسب لها قوة حربية ضخمة واستطاع بهذه القوة أن يستأثر بالامر كله في البلاد اليونانية وأن يخضع هذه المدن اليونانية لسلطان قوي حازم ويقضي على ما كان بينها من نزاع وخصومة ويوجه قوتها المادية والمعنوية الى وجهة جديدة نافعة هي الاستيلاء على الشرق والقضاء على سلطان الفرس فيه. ولكن فيليب قتل غيلة ولما يبدأ تحقيق غايته الكبرى التي كان يسعى اليها فنهض بالأمر بعده ابنه الشاب الاسكندر واستطاع لا أن يحقق غاية أبيه بل أن يتجاوزها الى شيء لم يكن يخطر لفيليب ولا لغيره من المقدونيين واليونان بل لم يخطر لأحد من قبله وهو اخضاع العالم القديم المتحضر كله لسلطان واحد قوي منظم
لملك تعجب حين تراني أحدثك عن الاسكندر الفاتح في كتاب يبحث عن قادة الفكر ولعلك تسأل ما بال قائد من قواد الجيوش يخلط بهؤلاء الذين لم يتسلطوا الا على العقول. ولكني قلت لك في أول هذا الفصل أن قيادة الفكر قد انتقلت من الشعر الى الفلسفة ثم من الفلسفة الى السياسة وكان الاسكندر هو الذي نقلها أو قل هو الذي انتزعها من الفلسفة وأقرها للسياسة ولقد يكون من الحق ومن الواجب أيضاً أن يتغير رأي الناس في الاسكندر وفي عظمته وفي مصدر هذه العظمة فالناس جميعاً يؤمنون بأن الاسكندر عظيم ولكنهم يردون هذه العظمة الى ما أحدث الاسكندر من فتح لم يعرفه التاريخ القديم. وكيف لا يكون عظيما ذلك الشاب الذي نهض بالأمر بعد أبيه فلم يكد يستقبل الملك حتى فسد عليه كل شيء واضطرب من حوله كل شيء فاذا جيرانه يغيرون على مملكته من كل صوب واذا حلفاء ينقضون الخلف ويثورون به يريدون أن يقضوا على سلطانهم، واذا هو على حداثة سنه وقلة حظه من التجربة قد ثبت لهذا كله فصد المغير ورد الخليف الى الوفاء بالعهد وقضى على أطماع جيرانه ومحا آمال اليونان في الاستقلال واتخذ من خصومه وأعدائه على اختلاف أجناسهم وتباين أهوائهم وتفاوت حظوظهم من الرقي العقلي جيشاً ضخماً منظماً عبر به البحر إلى آسيا فلم يكد يظهر فيها حتى طرد الفرس من آسيا الصغرى ومضى في طريقه يتبع ساحل البحر حتى أخضع البحر كله لسلطانه وإذا هو في الشام وإذا هو في مصر وإذا هو وارث ملك الفراعنة وإذا هو يؤسس عاصمة العالم الجديد واذا هو يترك مصر ويتعمق في آسيا فيقضي على دوله الفرس ويرث عرشها وإذا هو يجد في غزوه ويمعن في فتحه فيبلغ الشرق الاقصى ويوغل في الهند إيغالاً ويرفع لواء الحضارة اليونانية والادب اليوناني في أرض لم تسمع باليونان من قبل وإذا هو يعود إلى بلاد الفرس ويستقر للراحة في بابل وقد ورث ملك الفراعنة والبابليين والاشوريين والفرس وسلطان اليونان والفينيقيين وضم هذا كله الى ملك مقدونيا الذي ورثه عن أبيه. كل ذلك لم يرضه ولم يقنعه وما كان استقراره في بابل إلا استعداداً لحركة اخرى أشد عنفاً من الحركة الاولى وأبعد منها أثراً فقد كان يريد أن يستأنف السير فيعبر البحر الى أفريقيا ويمضي في طريقه حتى يبلغ عمود هرقل أو مضيق جبل طارق فيقضي على سلطان الفينيقيين في أفريقيا الشمالية وبسط سلطانه على أوربا الغربيا ويقتحم هذا القسم من اوربا حتى يتم دورته وينتهي إلى مقدونية حيث ابتدأ حركته. كان يستعد لهذا كله وكان زعيما أن يتمه ويوفق اليه لولا أن الموت عاجله فوقفه في منتصف الطريق
كيف لا يكون عظماً هذا الشاب الذي فعل هذا كله في عشر سنين أو أقل من عشر سنين . نعم هو عظيم ولن تخطئ الاجيال الماضية حين أضافت عظمته إلى هذه الحركة العنيفة الخصبة
(٣) ولكننا مع ذلك نرى أن عظمة الاسكندر ينبغي أن تضاف الى شيء غير هذا خليق بالخلود حقاً لانه يتصل بالعقل لا بالارض فلم يكن الاسكندر قائد جيش ليس غير وانما كان قائد فكر قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء، لم يفهمه معاصروه ولم يفهمه خلفاءه وفهمناه نحن ولكننا لم نفهمه بعد كما ينبغي
عد الى الفلسفة اليونانية التي أزهرت في القرن الخامس والرابع قبل المسيح والتي انتهت بالفساد النظم السياسية اليونانية ولم توفق إلى إيجاد نظم جديدة تخلفها، عد الى هذه الفلسفة تجدها كانت تطمح قبل كل شيء وبدون أن تشعر إلى توحيد العقل الانساني وأخذه بنظام واحد في التصور والتفكير والحكم ولم يكن بد إذا انتصرت هذه الفلسفة من أن تتقارب الشعوب وتتعاون على توحيد الحضارة وترقيتها وعلى إيجاد نوع إنساني متحد الغاية متشابه الوسائل في مساعيه، ولكن ما السبيل إلى انتصار هذه الفلسفة وما الوسيلة إلى تحقيق غايتها هذه. اما الدعوة والنشر فما كان من شأنها أن يضمنا هذا النصر ولا أن يحققا هذه الغاية فكيف تتصور انتشار فلاسفة اليونان في البلاد الشرقية واذاعة فلسفتهم في هذه البلاد إذا لم يمهد لذلك بازالة الفروق السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين اليونان وتغيرهم من الشعوب، فهم الاسكندر هذا وجدّ فيه فوفق اليه. اخضع العالم القديم المتحضر كه لسلطان واحد وأزال بين شعوبه تلك الفروق التي أشرنا اليها آنفاً وأتاح للاداب اليونانية والفلسفة اليونانية أن يتغلغلا في أعماق الشرق ويؤثرا في نفوس الشرقيين ويصبغاها هذه الصبغة اليونانية التي كانت قد اعدت من قبل لتكون صبغة عامة خالدة للعقل الانساني كله بل لم يكتف الاسكندر بإزالة هذه الفروق السياسية واخضاع العالم القديم كله لسلطان واحد وإنما طمع في شيء آخر أبعد مدى وأعسر متناولا. طمع في إزالة الفروق الجنسية بين الناس، لم يكتف بخلط الشعوب بعضها ببعض بل أراد أن يمزجها ويستخلص منها شعباً واحداً، انظر اليه حين استقر من بابل وقد أخذ في هذا المزج بالفعل فبدأ يزاوج بين اليونانيين والمقدونيين من جهة والفرس من جهة أخرى حتى لقد أحدث في يوم واحد عشرة آلاف من هذه المزاوجة وأنفق في تشجيع هذه الحركة أموالاً ضخمة وجعل نفسه وزعماء جيشه قدوة لعامة الجيش بل لم يكتف بهذا وإنما أزمع احداث حركة عامة وأراد أن ينقل طبقات ضخمة من الفرس إلى البلقان وطبقات ضخمة من البلقان الى الفرس لا يريد بهذا كله إلا مزج الشعوب وإزالة ما بينها من الفروق الجنسية ولكن الموت عاجله قبل أن يبدأ في هذه التجربة التي لو تمت لغيرت وجه الارض ولحولت سير التاريخ. وسواء علينا أكان الاسكندر مصيباً أم مخطئاً في هذه الفكرة وفي انتهاج هذا النهج وسواء علينا أوفق أم لم يوفق وإنما الشيء الواحد الذي لا شك فيه هو أن الإسكندر لم يكن يريد أن يفتح الارض وحدها وإنما كان يريد أن يفتح معها العقل بل قل انه انما كان يفتح الارض تمهيداً لهذا الفتح المقلي بل لا تستعمل كلمة الفتح فلم يكن الاسكندر فاتحاً بالمعنى الذي فهمته الاجيال المختلفة، لم يكن صاحب حرب وقهر وغلب وإنما كان صاحب مودة ومحبة وإخاء وتسوية بين الناس. ولقد أسرف في الاطالة لو أني تحدثت اليك بما لقي الاسكندر في ذلك من مشقة وعناء فقد أنكره المقدونيون حتى ثاروا بزعيمهم وقد سخروا منه اليونان ودبر اولئك وهؤلاء المؤامرات واضطر الاسكندر إلى أن يتخذ العنف وسيلة الى قهر خصومه من أنصار القديم. كان الاسكندر قائد فكر كما كان قائد جيش وقد وفق في قيادة الفكر إلى ما لم يوفق اليه في قيادة الجيش وهنا عبرة تاريخية يجب أن يتفكر فيها من يريد أن يتعظ ويقدر الاشياء كما هي
ظفر الاسكندر في قيادته العسكرية بكل ما كان يزيد فخضعت له أقطاره الأرض وورث تلك العروش التي ورثها وعبدته الشعوب على اختلافها ولكن هذا الظفر لم يدم فلم يكد الاسكندر يفارق هذه الحياة حتى تفرق اصحابه واختلفوا وشبت الحرب بينهم وتقطع هذا الملك ولم يتم تكوين هذه الدولة التي كان يرمي اليها الفتح العسكري، وفشل الاسكندر في قيادته الفكرية أثناء حياته فلم يتم له ما كان يريد من توحيد الشعوب والتقريب بين العقول وايجاد حضارة واحدة مشتركة ولكنه ظفر بهذا كله بعد موته لأن فتحه العسكري قد غرس هذه الفكرة في جميع أقطار الأرض التي وطنتها جيوشه ولم يكني بد من الوقت لتستطيع هذه الفكرة أن تنبت وتنمو وتؤتي ثمراتها ولم يكد ينتهي القرن الثامن حتى كانت الحضارة اليونانية حضارة الشرق القديم واللغة اليونانية لغة الشرق القديم وحتى أخذ الشرق يشارك اليونان في آدابهم وفنونهم وفلسفتهم وحتى نشأ من اختلاط اليونانيين والشرقيين مزاج خاص تستطيع أن تجده واضحاً جلياً اذا درست الفلسفة الاسكندرية أو آداب الاسكندريين او زرت المتاحف ورأيت هذه الآثار الباقية التي اشترك فيها الشرق واليونان، وما لنا نضرب الأمثال بهذه الأشياء التي لا يتاح للناس جميعاً أن يشهدوها وبين يدينا مثلان لا يستطيع أن ينكر هما منكر: الأول الديانة المسيحية فليست هذه الديانة الا نتيجة لازمة لتعاون العقلين الشرقي والغربي ومثالاً صادقاً لهذا المزاج الجديد الذي نشأ من هذا التعاون ولهذا ظفرت الديانة المسيحية من الفوز في أوربا بما لم تظفر به الديانة اليهودية لأنها سامية خالصة وبما لم يظفر به الإسلام لأنه أعرق في السامية من الديانة المسيحية. والثاني هذا التفاهم القائم بين الشرق والغرب فمهما تكن الفروق بين الشرقيين والغربيين فهي فروق سياسية أو اجتماعية أو جنسية، أما الفروق العقلية فقد محيت محواً تاماً وأصبح الشرقي والغربي يفهمان ويحكمان على نحو واحد فليس هناك علم شرقي وعلم غربي وليست هناك فلسفة شرقية يعجز الغربي عن فهمها ولا فلسفة غربية يقصر الشرقي عن اساغتها، كل ذلك أثر من آثار الاسكندر فهو الذي قارب بين الشرق والغرب ومزج العقل الشرقي بالعقل الغربي ولولا حركة الإسكندر هذه لكانت للشرق والغرب شؤون غير شؤونهما التي عرفها التاريخ. الاسكندر اذا قائد من قادة الفكر بل هو زعيم من زعماء قادة الفكر بل هو أشد قادة الفكر القدماء انتاجاً واكثرهم نفعاً فما قيمة الفلسفة اليونانية كلها لو لم يتح لها الاسكندر ليذيعها في أقطار الأرض ويثبتها في مختلف الشعوب