قادة الفكر/أفلاطون
افلاطون

١- كان سقراط قد نيف على الخمسين حين وُلد أفلاطون سنة ٤٢٨ قبل المسيح، فكان أثر الحوادث التي امتلأ بها الثلث الاخير للقرن الخامس مختلفاً في نفس الشيخ المجرب سقراط وفي نفس الشاب الحدث أفلاطون. بينما كان الشيخ ينظر الى هذه الحوادث نظرة الفاهم لها الذي لا يخفى عليه من أسبابها ونتائجها شيء كان هذا الشاب ينظر الى هذه الحوادث نظر المرتاع لها الذي لا يكاد يفهمها ولا يقدرها، ولعل هذا الاختلاف في النظر الى الحوادث وفهمها والحكم عليها ظاهرة مطردة في تاريخ الانسانية كلها على اختلاف أجيالها وبيئاتها. فالانسانية منقسمة أبداً الى الشيوخ والشبان ونظر الشيوخ مخالف لنظر الشبان وأثر الحادثة المعينة في نفس الشيخ غيره في نفس الشاب، ومن هنا كان الاختلاف بين الأجيال، ومن هنا كان تطور الانسانية المطرد. غير أن للحوادث مختلف قوة وضعفاً فمنها ما هو هول كله ومنها ما هو لين كله. ونفوس الشيوخ والشبان تختلف اختلافاً شديداً فمنها الممتاز ومنها العادي، فاذا اجتمعت الاحداث التي ليست في أنفسها الّا هولاً، واذا قضت المصادقة أن توجد بازاء هذه الاحداث نفوس ممتازة راقية في حسها أو فهمها أو حكمها كان من المعقول جداً أن يوجد الفيلسوف أو أن يوجد الرجل العظيم ، وكان من المعقول جداً أن يظهر الاختلاف بين الناس في فهمهم للأشياء وحكمهم عليها. وقد أرادت المصادفة أن تجتمع في هذا العصر الذي كان أفلاطون يستقبل فيه الحياة وسقراط يستقبل فيه الموت أحداث عظيمة خطيرة لم تعهدها الانسانية من قبل، وأقول الانسانية واستعمل هذا اللفظ العام على عمومه متعمداً، فقد اعتادت الانسانية الحروب وتعرضت للأهوال وتجشمت الخطوب منذ عرفت الحياة المنظمة، ولكنها لم تكن قد عرفت حرباً ولا تعرضت لهول ولا تجشمت خطباً كتلك الحرب وتلك الأهوال والخطوب التي تعرضت لها في آخر القرن الخامس قبل المسيح
الأمر في تلك الحرب كالأمر في الحرب العظمى التي لم ننسها بعد والتي لا نخطئ ان قلنا أن الانسانية لم تعرف حرباً تعدلها هولاً وفظاعة. فإذا أردنا ان تعلل هذا فتعليله يسير وهو ان العالم كان قد انتهى في سنة ١٩١٤ الى حد من الرقي غير مألوف وان الحرب استفادت من رقي العالم فاضافت الى أهوالها المألوفة أهوالاً لم يكن للناس بها عهد من قبل. كذلك الحال في تلك الحرب التي اضطرب لها العالم القديم في آخر القرن الخامس قبل المسيح والتي شبت نارها حين كان الانسان قد انتهى من الحضارة والعلم والقوة الى حدود بعيدة جعلت هذه الحرب بدعاً من الحروب التي سبقتها
انت تعلم ان هذه الحرب هي التي يعرفها التاريخ باسم حرب «بيلوبونيسوس» (Peloponese) ولست في حاجة الى ان أصف لك أهوالها أو ألمّ بشيء من آثارها المنكرة في حياة العالم القديم، فقد تستطيع أن تظفر بما شئت من ذلك في كتب التاريخ ولا سيما في کتاب توسيديد (Thueydide) الآثيني الذي اشترك في هذه الحرب وكتب في تاريخها كتاباً هو آية من آيات الفن القديم. نشبت هذه الحرب بين اثينا واسبرطا في نحو العصر الذي وُلد فيه أفلاطون ولم تلبث أن اشتملت بلاد اليونان جميعاً، ثم لم تلبث أن تجاوزت بلاد اليونان الحقيقية الى المستعمرات اليونانية في آسيا الصغرى وفي ايطاليا وصقلية، ثم لم تلبث أن تجاوزت العالم اليوناني الى العالم الشرقي فتدخلت فيها الفرس، ثم تدخلت فيها أمم أخرى غير الفرس إما خاضعة لأمر الفرس وإما محالفة للفرس وإما مناوئة للفرس، وعلى هذا النحو انتهت هذه الحرب إلى أن أحدثت اضطراباً عالمياً أخذت كل الشعوب الحية يومئذ منه بحظ، ولم تدم سنة أو سنتين وانما اتصلت ربع قرن، ولم تقتصر آثارها على إزهاق النفوس وسفك الدماء وتدمير المدن وازالة السلطان وتبديد ألوان الثروة، وإنما كانت لها آثار اخرى أبعد من هذه الاثار وأشد عملاً في الحياة الانسانية، أريد بها الآثار العقلية والسياسية والاجتماعية، فقد أظهرت هذه الحرب فساد القديم من أكثر وجوهه وضرورة العدول عنه الى شيء آخر، وأظهرت ضعف ما كانت تقوم عليه الجماعات المختلفة من اسس ونظم وعقائد، واضطرت الانسان الى أن يبحث عن أسس اخرى ونظم اخرى يقيم عليها الاجتماع الجديد
اشترك سقراط في هذه الحرب فأدى واجبه كما كان يؤديه كل آثيني ولكنه كان شيخاً وأكبر الظن أنه لم يقدّر خطر هذه الحرب ولم يحاول التعمق في درس آثارها في الحياة الانسانية المقبلة، انما كان منصرفاً عن ذلك الى فلسفته التي قدمنا تلخيصها في الفصل الماضي. واشترك أفلاطون في هذه الحرب فأدى واجبه كغيره من الآثينيين أيضاً ولكنه لم يكن كسقراط معنياً بفلسفته ومهمته التي كانه اياها «ابولون» (Apollon) فلم تكن له فلسفة ولم يكن «ابولون» قد عهد اليه بشيء وانما نشأ في هذه الحرب طفلا ثم شب فاذا الحرب ما زالت قائمة واذا هو مضطر الى أن يأخذ بنصيبه منها. وقد قلنا ان هذه الحرب عبثت بالنظم المختلفة عبئاً شديداً ويكفي أن نلاحظ أنها أدركت اثينا وهي خاضعة للنظام الديمقراطي المتطرف، فما زالت بها حتى عدلت عن نظامها الديمقراطي الى نظام ارستقراطي ثم الى نظام ديمقراطي معتدل ثم الى نظام ارستقراطي يشبه الطغيان أو هو الطغيان، ثم انتهت بسقوط اثينا ونزولها عن كل ما كان لها من سلطان في البر والبحر، ثم انتهت بها الى نظامها الديمقراطي القديم. وكل هذه الاضطرابات والثورات لم تقع دون سفك للدماء وعبث بالأرواح والأموال داخل المدينة مع ما كانت تسفك الحرب من دماء وتزهق من أرواح وتبدد من أموال خارج المدينة. أضف الى هذا كله شيئاً آخر خاصاً بأفلاطون وهو أنه كان ارستقراطي المولد، كان ينتهي من جهة امه الى «سولون» (Solon) وكانت اسرة أبيه تزعم أنها تنتهي الى «کودروس» (Codros) آخر ملوك آيينا، فليس غريباً أن يكون أفلاطون بحكم مولده الارستقراطي ونشأته الارستقراطية وبحكم هذه الاضطرابات المختلفة شديد الميل الى النظام الارستقراطي شديد النفور من النظام الديمقراطي. ولكن النظام الارستقراطي الذي كان يميل اليه أفلاطون قد اقترف في اثينا ضروباً من الآثام لا سبيل الى انكارها فانصرف عنه أفلاطون كما كان منصرفاً عن النظام الديمقراطي ولبث في شيء من الحيرة غير قليل يلتمس النظام الذي يلائم الحياة الانسانية حقاً ويبرأ من الآضام حقاً. ولما بلغ أفلاطون العشرين اتصل بسقراط فالزمه ثمانية أعوام أو تسعة ولم يكن سقراط أقل منه بغضاً للديمقراطية ولم يكن سقراط أقل منه انصرافاً عن الارستقراطية. وهنا نستطيع أن نلاحظ مسرعين أن الفلسفة اليونانية كانت أبداً في حرب متصلة مع الديمقراطية كما أنها كانت شديدة الكره للنظام الارستقراطي الذي كان معروفاً حينئذ. وكان سخطها على هذين النظامين يحملها على أن تبحث عن نظام سياسي يبرأ من رذائلهما وآثامهما فاتفقت ميول أفلاطون وميول منه سقراط السياسية. ثم لم تتفق ميولهما السياسية وحدها وانما اتفقا في أشياء كثيرة أخرى، اتفقا في كره هذا الاضطراب العام الذي تناول كل شيء وأفسد كل شيء، واتفقا في كره السوفسطائية الذين لم يكونوا يهيئون لحياة جديدة بريئة من الاضطراب وانما كانوا يذيعون الشك ويؤيدون المنفعة الخاصة، ومن ذكر الشك والمنفعة الخاصة فقد ذكر الاضطراب. واتفقا في الحكم على المذاهب الفلسفية القدمة بالضعف أو الفساد أو العجز عن السيطرة على العقول والاشراف على الحياة الفكرية العامة، واتفقا أيضاً في الحكم على الشعر القديم وأثره السيئ من نفوس الجمهور، ثم اتفقا في الحكم على أن الديانة الموروثة لا تخلو من سخف وسذاجة يخالفان كل المخالفة ما وصل اليه العقل اليوناني من الرقي. ومن هنا اشتدت الصلة بين الفيلسوف الشيخ وتلميذه الشاب حتى اذا انتهى القرن الخامس وكانت قضية سقراط ثم القضاء عليه ثم مونه اشتد سخط أفلاطون على اثينا وعلى النظام الديمقراطي فيها واشتد خوفه من اثينا ونظامها الديمقراطي فهاجر فيمن هاجر من تلاميذ سقراط ولجأ في أول الأمر الى مدينة «مجار» (Mégare) القريبة من اثينا وعاش فيها حيناً مع صديق له كان تلميذاً لسقراط ثم أسس في هذه المدينة احدى المدارس السقراطية المشهورة، وهو أوقليدس (Euclide) الذي قد نعرض له في هذا الفصل، ثم ترك أفلاطون مدينة «مجار» وابتدأ سياحة طويلة زار فيها آسيا الصغرى ومصر وبرقة ولست في حاجة إلى أن ألفتك الى تأثير هذه السياحة في نفس أفلاطون ولكني مضطر الى أن أذكر أن زيارته لمصر تركت في نفسه من غير شك آثاراً قوية فقد شاهد في هذه البلاد آثار تلك الحضارة الضخمة التي كان يتحدث بها اليونان في اعجاب لا حد له وليس من شك في أن أفلاطون حاول أن يفهم هذه الحضارة بعض الشيء ولكن ليس من شك أيضاً في أنه لم يفهم منها الا شيئاً قليلا اذ لم يكن يعرف اللغة المصرية ولم يكن يستطيع أن يتحدث الى المصريين مباشرة وانما عرف ما عرف من أمر مصر بواسطة اليونان الذين لقيهم فيها شأن المؤرخ اليوناني (هيرودوت). ومن هنا نستطيع أن نقول ان الحضارة المصرية لم تؤثر في فلسفة أفلاطون تأثيراً مباشراً وان من الاسراف والغلو ما يقال من انه كان تلميذاً للمصريين. ثم لم تنته سياحة أفلاطون عند زيارة آسيا الصغرى ومصر وبرقة بل زار ايطاليا اليونانية وزار صقلية وكان له فيها شأن سنلم به بعد قليل
اشرنا في أول هذا الفصل الى تلك الحرب التي اضطريت لها الحياة العالمية في طفولة أفلاطون وشبابه ولا بد من أن نشير هنا الى الحال السياسية في القرن الرابع قبل المسيح فقد كان لهذه الحال في حياة أفلاطون وفلسفته تأثير ليس أقل من تأثير الحال السياسية في القرن الخامس. كان هذا القرن الرابع عصر انحطاط وانحلال في الحياة العامة كلها سواء في ذلك البلاد اليونانية والبلاد الفارسية فينما كانت الخصومة السياسية بين الأحزاب قد انتهت الى أقصاها في داخل المدن اليونانية كانت الخصومة السياسية العسكرية قد انتهت الى أقصاها بين المدن اليونانية وكذلك كانت المدن منشقة مضطربة في حياتها الداخلية يمزق بعضها ًبعضا وينفي الحزب المنتصر أفراد الحزب المنهزم أو يقتلهم ثم لا يدوم له الانتصار إلا حيناً قصيراً فاذا انتصر الحزب المغلوب ثأر لنفسه. وكانت الحياة السياسية الدولية ان صح هذا التعبير أشد فساداً من الحياة السياسية الداخلية فكانت السيطرة متنقلة في المدن وكانت هذه المدن تتنازع السلطان فكانت السيادة (لاسبرطا) (Sparte) حيناً (ولطيبة) (Thèbes) حيناً آخر وكانت اثينا مترددة بين هاتين المدينتين تنتهز الفرص وتتربص الدوائر، وكان الشعور بالكرامة اليونانية والواجب الوطني قد فسد أو انمحى فلم يكن اليونان أفراداً وجماعات يترددون في اقتراف الخيانة العظمى ولم يكن الفرد يكره أن يضحي بمدينته في سبيل منفعته الخاصة ولم تكن المدينة تكره أن تضحي بالأمة اليونانية كلها في سبيل منفعتها الخاصة. ومن هنا كان تدخل الامة الفارسية في امور اليونان وانتهى هذا التدخل الى أن أصبح ملك الفرس مسيطراً على الحياة اليونانية الداخلية والخارجية يشهر الحرب بين المدن حتى اذا أضعفها اضطرها إلى الصلح وفرض عليها شروطه وقواعده. غيز أن الأمة الفارسية نفسها لم تكن أحسن حالا من الأمة اليونانية فقد كان الفساد قد عبث بها وتغلغل في طبقاتها حتى عجزت عن الاحتفاظ بملكها وسلطانها ولجأت الى اليونان تستأجرهم لحماية هذا الملك والسلطان ولاخضاع الأقاليم التي اخذت تضطرب وتثور وتنفصل عن الامبراطورية. وعلى هذا النحو زال التوازن الذي كانت تقوم عليه الحياة السياسية في العالم القديم والذي كان يعتمد على قوة اليونان في الغرب وقوة الفرس في الشرق، زال هذا التوازن فضعف اليونان وضعف الفرس واخذ كل من الفريقين يلجأ الى صاحبه، ويسخر منه. أخذ الفرس يلجأون الى اليونان وأخذ اليونان يلجأون الى الفرس، اولئك يبذلون المال وهؤلاء يبذلون الرجال، وظهر في ذلك الوقت أن النظم السياسية القديمة كلها قد فشلت فشلاً تاماً ففشل النظام الديمقراطي والارستقراطي في بلاد اليونان وفشل نظام الملكية الفردية في بلاد الفرس وفي الشرق كله وترددت الانسانية بين اثنتين، إما الدمار والفناء وإما نظام سياسي جديد يخرجها من هذه الفوضى. كذلك كانت الحال في بلاد اليونان وفي الشرق ولم تكن الحال في ايطاليا وصقلية خيراً منها في بلاد اليونان الحقيقية وفي فارس، فقد كانت المدن اليونانية في ايطاليا وصقلية مضطربة في داخلها مختصمة فيما بينها وكان عبث الاحزاب بها شديداً، ومع ذلك فقد خيل إلى أفلاطون أن هذه المدن اليونانية في ايطاليا وصقلية قد تكون خيراً من المدن اليونانية الحقيقية فهاجر اليها واستفاد من هذه المهاجرة فائدتين عظيمتين كان لهما أثر عظيم جداً في حياته الفلسفية النظرية والعملية. ذلك أنه درس في هذه المدن مذاهب الفلاسفة القدماء الذين نشأوا في ايطاليا ولا سيما مذهب «الفيثاغوريين» (Pythagoricien) الذي كان يجمع بين الفلسفة النظرية والعملية وكان يزعم لنفسه القدرة على تدير المذن تدبيراً يلائم المنفعة الحقيقية وكان منتصراً في بعض المدن متسلطاً على الحياة السياسية فيها. ثم زار في صقلية مدينة «سراقوسا» (Syracuse) وكانت حينئذ عظيمة البأس واسعة السلطان وكانت خاضعة لنظام الطغيان يشرف عليها طاغية قوي يقال له «دنيس» (Denys) وكان بالقرب من هذا الطاغية رجل حكيم فيلسوف يقال له «ديون» (Dion) كان صديقاً لافلاطون شاركه في أهوائه السياسية فخيل إليه أنهما يستطيعان أن يؤثرا في الطاغية ويحملاه على نوع من الحكم يلئم المثل الاعلى الذي كانا يطمحان اليه. ولكنهما لم يكادا يقدمان الى الطاغية نصائحها ويظهرانه على آرائهما حتى نفر منهما وسخط عليهما ويقال انه باع افلاطون كما يباع الرقيق
عاد أفلاطون الى أثينا وكانت قد نسيت سقراط واعرضت عن تلاميذه فاستطاع أن يستقر فيها وأن ينشئ فيها مدرسة هي الاكاديمية (Académie). على أنه لم يطل المقام في أثينا بل عاد الى صقلية، ذلك لان الطاغية الذي كان مشرفاً على «سراقوسا» قد مات وآل الامر الى ابنه من بعده فخيل الى الصديقين الحكيمين أن هذا الطاغية الشاب سيكون أسمع لهما وأطوع من أبيه؛ ولكن الشاب لم يكن أقل من أبيه حرصاً على الطغيان ونفوراً من حكمة الحكماء فغضب على الفيلسوفين واضطرهما الى الهرب وعاد افلاطون الى أثينا، ثم ارتحل مرة ثالثة إلى صقلية وحاول في هذه المرة لا أن يؤثر في الطاغية بل أن يصلح بينه وبين صديقه «ديون» على أنه فشل في هذا أيضاً ولم ينج من سخط الطاغية الا بمشقة عاد الى أثينا وقد ذهبت تلك الآمال التي كانت تبسم له وتضيء حياته وتخيل اليه انه يستطيع أن يقر المدنية الفاضلة على الارض فاستقر فيها وانقطع الى مدرسته وأخذ يعلم حتى مات سنة ٣٤٧
٢ - عسير جداً درس فلسفة سقراط لان سقراط لم يكتب شيئاً، وعسير جداً درس فلسفة افلاطون لان افلاطون كتب كثيراً ولان فهم هذه الكتب التي تركها افلاطون وبقيت كلها وهي تنيف على الثلاثين ليس بالأمر اليسير. ليس بالأمر اليسير لان هناك ضروباً من التناقض بين هذه الكتب من جهة ولان آراء الفيلسوف في بعض المسائل قد بلغت من الغموض والدقة حدًّا عظيماً جداً، ثم لأن هذا التناقض يمكن تفسيره وازالته لو استطعنا أن نتبين التاريخ الذي كتبت فيه هذه الكتب بحيث نستطيع ان نقول ان هذا الرأي قد جاء بعد هذا الرأي فهو يدل على أن الفيلسوف قد تطور وغير من آرائه قليلا أو كثيراً. ولكن من العسير جداً أو قل من المستحيل تحديد التواريخ التي كتبت فيها آثار افلاطون. ونحن نعلم ان افلاطون قد بدأ الكتابة منذ مات سقراط أي في أول القرن الرابع وظل يكتب ويعلم الى أن مات أي في أول النصف الثاني من هذا القرن، وليس غريباً ان تتطور آراء الفيلسوف وتتغير في خمسين سنة ولا سيما اذا لم يكن الفيلسوف قد لزم حياة هادئة مطمئنة. فليس اذن سبيل الى الشك في أن فلسفة افلاطون قد تغيرت وخضعت لألوان من التطور يمكن تحديدها لو ظفرنا بالتاريخ الذي كتبت فيه الكتب الافلاطونية. ومن هنا اجتهد العلماء المحدثون في البحث عن هذه التواريخ وسلكوا الى ذلك سبلاً مختلفة فمنهم من حاول ترتيب الكتب الافلاطونية ترتيباً منطقياً ومنهم من حاول ان يؤرخ كل كتاب بما يجد فيه أو بما يمكن ان يجد فيه من الأسماء والتعريض بالحوادث التاريخية ولكن كتباً كثيرة لافلاطون تخلو من هذه الحوادث ومن هذه الاسماء، وآخر ما اهتدى اليه الباحثون في هذا النحو هو الطريقة اللغوية وهي التي تمكن من تحديد التاريخ الذي ظهر فيه الكتاب بواسطة لغة الكتاب نفسه، ذلك ان لغة الكاتب تتطور كما تتطور آراؤه فاذا استطعنا ان نعين لغة افلاطون في شبابه ثم في كهولته ثم في شيخوخته فقد استطعنا ان نؤرخ كتبه. ويظهر أن هذه الطريقة هي أقوم الطرق ويقول النقاد والمؤرخون المحدثون أنها قد انتهت بهم الى نتائج قيمة وينتظر أن تنتهي بهم الى تحديد هذه التواريخ على وجه التقريب. ومهما يكن من شيء فلم يعرف العالم القديم قبل افلاطون فلسفة بلغت من السعة. والعمق والتفصيل ما بلغته فلسفة افلاطون. فقد كان الفلاسفة القدماء يحاولون فهم الكون وتفسيره ويجدون في ذلك حتى يحدثوا مذهباً من المذاهب يزعمون أنه يفسر الوجود والموجود ثم يقنعون بهذا المذهب فيعلمونه ويؤيدونه ويذودون عنه، ثم جاء عصر الشك الذي أنكر هذه المذاهب جملة، ثم جاء سقراط فحاول شيئاً آخر غير ما حاوله الفلاسفة القدماء وهو جعل الانسان نفسه موضوعاً للفلسفة مكان الكون والكائنات أو مكان الوجود والموجود. ولكن سقراط لم يتجاوز أو لم يكد يتجاوز هذه النظرية التي تجعل الانسان موضوعاً للفلسفة وتجعل معرفة الانسان نفسه شرطاً ومصدراً لمعرفة الكون والكائنات. ثم جاء تلاميذ سقراط فكلهم احتفظ بالنظام الفلسفي القديم فأسس مذهباً بعينه وأخذ يعلمه ويؤيده وينود عنه، وكل ما تمتاز به فلسفة هؤلاء التلاميذ من الفلسفة التي تقدمت سقراط هو أنهم انصرفوا عن الكون والكائنات وعن الوجود والموْجودات الى الانسان.. فاتخذوه موضوعاً لفلسفتهم وأخذوا يلتمسون الوسيلة الى رقيه وسعادته فمنهم من وجد ذلك في اللذة ومنهم من وجد ذلك. في الزهد. أما افلاطون فانه خالف الفلاسفة الذين تقدموا سقراط، وخالف سقراط نفسه وخالف تلاميذ سقراط أيضاً واستحدث في الفلسفة بدعاً لم يكن مألوفاً من قبل. فلم يتخذ الكون موضوعاً للفلسفة ولم يتخذ الانسان موضوعا لها وانما اتخذ الكون والانسان جميعاً موضوعاً لمباحثه الفلسفية. ثم لم يتخذهما موضوعاً لبحث فلسفي خاص ينشئه هو ويقصر عليه عنايته وحياته ويطبعه بطابعه الخاص وانما حاول شيئاً أعظم من هذا كله ووفق اليه توفيقاً غريباً. حاول شيئاً لم يكن قد حاوله أحد من قبل وهو درس هذه المذاهب الفاسدنية الكثيرة المختلفة ومقارنتها واستخلاص ما فيها جميعاً من خير واقامة فلسفة جديدة من جهة وقديمة من جهة أخرى. جديدة لأن الناس لم يألفوها وقديمة لأنها لم تنشأ من لا شيء وانما تعتمد علي المذاهب الفلسفية كلها. وفي الحق أنك تجد في فلسفة افلاطون شيئاً من كل المذاهب الفلسفية التي سبقته ، نجد فيها شيئاً من مذهب الاستحالة، وتجد فيها شيئاً من مذهب الوحدة، وتجد فيها فلسفة سقراط، وتجد فيها خلاصة آراء السقراطية ثم تجد فيها الفلسفة «الفيثاغورية»، ثم تجد فيها أشياء أخرى منها ما يرجع الى الدين ومنها ما يرجع الى الادب ومنها ما يرجع الى شخصية افلاطون نفسه وكل ذلك منتسق منسجم لا يظهر فيه الاختلاف ولا التباين وانما هو مطبوع بهذا الطابع القوي الذي يمثل شخصية افلاطون
٣- ومن أي ناحية نستطيع ان ندرس افلاطون؟ بل من أي ناحية نحب ان ندرس افلاطون؟ فنحن نجد في افلاطون شخصيات مختلفة كلها خليق بالدرس محبب الى الباحث. نستطيع ان ندرس افلاطون من حيث أنه كاتب فنحن نعلم ان تاريخ الادب اليوناني لم يعرف كاتباً ناثراً كافلاطون وان آثار افلاطون كلها آيات لا بالقياس إلى الادب اليوناني وحده بل بالقياس الى الادب الانساني كه سواء منه القديم والحديث. ونحن نعلم ان كل انسان مهما يكن حظه من الرقي العقلي ومهما تكن جنسيته وحضارته يستطيع اذا قرأ افلاطون أن يجد فيه لذة لا تعدلها لذة ولا يشعر بها الانسان الا حين يقرأ آيات البيان. ثم نستطيع ان ندرس افلاطون من ناحية أخرى غير ناحية الكتابة والنثر هي ناحية الشعر والخيال، فلم ينظم افلاطون الشعر على قواعد العروض والقافية ولكنه كان شاعراً في نثره ولا يعرف تاريخ الادب القديم شاعراً كان له من قوة الخيال ولطفه وسحره وسلطانه على النفوس مثل افلاطون. ثم نستطيع ان ندرس افلاطون من ناحية ثالثة هى ناحية الفيلسوف الذي يبحث عما بعد الطبيعة فيتعمق في بحثه تعمقاً لم يسبق اليه واخشى ان أقول لم يلحق فيه، بل استطيع أن أقول ذلك بشرط ان استثني تلميذه «ارسطاطاليس». ثم هناك ناحية رابعة نستطيع ان ندرس منها افلاطون وهي ناحية الفيلسوف الخلقي الذي يؤسس علم الاخلاق لا على مبادئ سقراط وحدها بل عليها وعلى مبادئ أخرى استطاع هو ان يستكشفها أثناء بحثه عن الطبيعة وعما بعد الطبيعة. ثم هناك ناحية خامسة نستطيع ان ندرس منها افلاطون وهي ناحية الفيلسوف السياسي الذي وضع علم السياسة وحاول لا ان يتفهم الحياة السياسية فحسب بل ان يضع نظاماً سياسياً يعتقد هو أنه المثل الاعلى للانسانية المنظمة. ثم هناك ناحية سادسة نستطيع ان ندرس منها افلاطون وهي. ناحية الفيلسوف النفسي الذي هوَّن الأمر على ارسطاطاليس وغير ارسطاطاليس من الذين عنوا بالمنطق ووضع علماً جديداً يبحث عن المعرفة وشروطها ونظمها وغايتها فوضع أساس المنطق وأساس علم النفس أو قل وضع اساس الفلسفة كلها. نستطيع ان ندرس افلاطون من كل هذه النواحي ولكنك تستطيع ان تطمئن فلن ادرس افلاطون فى هذا البحث من كل هذه النواحي فمثل هذا الدرس يحتاج الى كتاب ضخم لست أنا الذي يستطيع أن يضعه. انما أريد أن أوجز لك أشد ايجار خلاصة من الفلسفة الأفلاطونية التي كان لها الأثر العظيم جداً في قيادة الفكر الانساني قديماً وحديثاً
٤- ولا بد قبل كل شيء من ان نشير الى المذهب الافلاطوني في كتابة الفلسفة ودرسها. وهذا المذهب في نفسه هو مذهب سقراط أي أنه يعتمد قبل كلى شيء على الحوار، واذن فهو في نفسه غير جديد. ولكن لا تنس ان سقراط كان يحاور محاورة لسانية أي أنه كان يناقش أصحابه وتلاميذه بالفعل. أما افلاطون فلم يكن يحاور حواراً لسانياً وأنما كان يكتب والفرق عظيم بين رجل يلقاك فيحاورك وبين رجل لا يلقاك ولا يحاورك بالفعل وإنما يستوحي قلمه حواراً بديعاً تخيل أشخاصه واخترع موضوعه اختراعاً. كان سقراط متحدثاً، أما افلاطون فمؤلف منشئ. ومن هنا كان من الحق الاعتراف لافلاطون بفضيلة هذا الفن الفلسفي الأدبي الذي لم يسبق اليه ولم يلحق فيه وهو فن الحوار. نعم، ان افلاطون لم يخترع الحوار اختراعاً وانما تأثر فيه بمؤثرين مختلفين نذكرهما لنلفتك الى الصلة بين الفلسفة والادب: الأول فن التمثيل الذي بلغ أقصى ما كان ينتظر له من الرقي في القرن الخامس واثر في حياة الآثينيين خاصة واليونان عامة تأثيراً لا حد له. هذا الفن يعتمد على الحوار سواء في ذلك قصصه المحزنة والمضحكة. وهو بهذا الاسلوب أسلوب الحوار قد استطاع ان يؤثر في الجمهور ويبلغ من نفسه ما كان يريد، فليس عجيباً أن يفتن الناس بالحوار ويتخذوه أسلوباً من أساليبهم الادبية ونستطيع ان نقول ان كتب افلاطون كلها أو اكثرها قصص تمثيلية فلسفية. فكتب افلاطون كلها أو اكثرها عبارة عن مجلس من المجالس يجتمع فيه الناس حول سقراط فيتحدثون وينتهي بهم الحديث الى موضوع من الموضوعات ذات الخطر فيتحاورون فيه ويشرف سقراط على هذا الحوار وما يزال باصحابه وتلاميذه ينقلهم من موضوع الى موضوع ومن مسألة الى مسألة ومن صعوبة الى صعوبة حتى ينتهي بهم الى النتيجة الفلسفية التي كان يريد اثباتها. وكل هذه الكتب أو اكثرها لا تتخذ اسماءَها من الموضوعات التي تدرس فيها وانما تسمى باسماء الاشخاص الذين لهم في الحوار منزلة خاصة: فهناك «فيدون» (Phedon) و»بروتاجوراس« (Protagoras) و«جورجياس» (Gorgias) و«ألسبياد» (Alcibiade) وغيرها من الكتب التي تسمى باسماء الاشخاص وقليلة جداً تلك الكتب التي تسمى باسماء الموضوعات کالجمهورية والقوانين وغيرهما. المؤثر الثاني الشعر وأريد الشعر الغنائي الذي تعمق في البحث عن العواطف الانسانية حتى اهتدى إلى دقائقها وارتقى في تشخيص هذه العواطف وتمثيلها حتى بلغ من العظمة حداً ربما لم يبلغه الشعر الحديث. وقد يكون من الحق أن لا ننسى الشعر القصصي الذي اعتمد عليه افلاطون في هذه الاساطير المنبثة في كتبه والتي يستعين بها على تفسير النظريات الفلسفية وتقريبها. فانت ترى ان افلاطون لم يخترع فنه الادبي اختراعاً وانما تأثر فيه يألوان الشعر الثلاثة كما أنه لم يخترع فلسفته اختراعا وانما تأثر فيها بالمذاهب الفلسفية المختلفة التي سبقته وعاصرته، ولكن تأثره بالشعر والفلسفة لم يضطره الى التقليد ولم يضعف من شخصيته وانما قوى هذه الشخصية تقوية عظيمة. وأين هو هذا النابغة الذي يخترع شيئاً من لا شيء ويحدث أحداثاً لا تتصل بما قبلها ولا تتأثر بما حولها؟ وسنرى ان افلاطون نفسه لم يستطع أن يتصور الها يوجد شيئاً من لا شيء
٥- كانت فلسفة سقراط حرباً على السوفسطائية وكذلك. كانت فلسفة أفلاطون. فان انتصار سقراط على السوفسطائيين لم يزل سلطانهم ولم يمح آثارهم بل نستطيع أن نقول أن كثيراً من السوفسطائيين اتخذوا الفلسفة السقراطية وسيلة إلى تقوية مذهبهم والامعان فيما كانوا فيه من شك وتشكيك ولعل هذا هو الذي يفسر لنا وجود هذه المدارس السقراطية المتناقضة فيما بينها والتي انبثت في اقطار الارض. فلم يكن اذن بد لافلاطون من أن يذهب مذهب استاذه في محاربة السوفسطائية واقامة فلسفة جديدة تعتمد على أن الحقائق ثابتة وعلى أن الشك ضرب من الضعف لا خير فيه ولا غناء. وقد سلك أفلاطون الى تأسيس هذه الفلسفة سبيلا واضحة قيمة ولكن سلوكها ليس باليسير على غير الفيلسوف. كان سقراط يقول (اعرف نفسك بنفسك) وكان يرى ان أول العلم هو أن يعلم الانسان جهله بكل شيء. ثم كان سقراط يرى ان الانسان متى علم جهله بكل شيء وحاول أن يعرف نفسه بنفسه استكشف في هذه النفس كنزاً لا سبيل إلى أن يقدر وذلك أن النفس عند سقراط ملئت بالحقائق وان بحث الفيلسوف عن هذه الحقائق ليس في حقيقة الامر اختراعاً لهذه الحقائق وانما هو استكشاف لها في أعماق النفس وقد اخذ اقلاطون كل هذه النظريات السقراطية فنظمها وفصلها واستخرج منها كل ما كانت تشتمل عليه وجعلها اساساً لفلسفته. وفي الحق أن فلسفة افلاطون كلها تقوم على نظرية العلم والمعلوم. فالنفس عند افلاطون ملئت بالحقائق كما كانت عند سقراط ولكن تفسير افلاطون يخالف تفسير سقراط مخالفة شديدة. كان سقراط يفهم أن الحقائق موجودة في النفس بالقوة وان البحث يجعل هذا الوجود فعلياً. اما افلاطون فيرى ان الحقائق موجودة في النفس بالفعل وان البحث عن الحقائق لا يؤدي الى انتزاعها فهي خالدة ولا يؤدي الى استكشافها فهى معلومة وانما يؤدي الى تذكرها. فالنفس قد نسيت الحقائق عند ما هبطت من الملأ الأعلى الى هذا العالم السفلي، وكلما أمعنت النفس في هذه الحياة العملية وما تستتبعه من الخضوع لحاجات الجسم اشتد نسيانها للحقائق وتراكم عليها الصدأ، وعمل البحث الفلسفي هو أن يزيل هذا الصدأ وأن يذكرها بما كانت تعلم من قبل. واذن فالحقائق كلها خالدة ثابتة لا تحدث ولا تتغير كما ان العلم بها خالد ثابت لا يحدث ولا يتغير. ومعنى هذا ان النفس الانسانية خالدة أيضاً لا تحدث ولا تتغير وانها قد مر عليها طور من الوجود كانت فيه بعيدة عن هذا العالم السفلي واعراضه وادرانه كانت، فيه تحيا ناعمة راضية مجاورة للآلهة وللحقائق الخالدة مستمتعة بالعلم الذي يظهرها على كل شيء ويمثل فيها كل شيء. ثم هبطت من ذلك العالم العلوي الى هذا العالم السفلي فنسيت شيئاً فشيئاً ما كانت تعلم
هذا المذهب وحده غامض اذا لم يوضحه رأي أفلاطون في الكون والكائنات أو في الوجود والموجود. وإذا أردنا أن نفهم هذا الرأي وجب ان نلاحظ انه خلاصة مذهبين فلسفيين مختلفين -٦٦ - احد هماء مذهب الاستحالة الذي كان يذهب اليه «هيراقليت» (Héraclite) والذي كان يرى أن الاشياء كلها في استحالة متصلة وتغير لا ثبات له ولا استقرار. والثاني مذهب الوحدة الذي كان يذهب اليه «برمنيد» (Parmenide) والذي كان يرى أن الكون كله منتهٍ الى شخصية واحدة ثابتة عنها يصدر كل شيء واليها ينتهي كل شيء أو هي كل شيء وليست هذه الكائنات والاحداث الا مظاهر لها. من هذين المذهبين استطاع افلاطون أن يكون مذهباً جديداً بعد أن غير فيهما وبدل وأضاف اليهما مذاهب فلسفية أخرى. وانتهى الى أن هناك درجات ثلاثاً في الوجود تقابلها درجات ثلاث في العالم: الدرجة الأولى درجة هذه الموجودات المحسوسة التي نلامسها ونتأثر بها ونؤثر فيها، وهذه الموجودات متغيرة أبداً مستحيلة أبداً بل هي تغير واستحالة لا ثبات لها ولا استقرار. الدرجة الثانية درجة موجودات اخرى هي الواسطة بين المحسوسات وبين الدرجة الثالثة التي سنراها بعد حين وهذه الدرجة الثانية تمثل الصور الذهنية والحقائق العقلية التي تتمثل بها الكائنات والتي نتخذها وسيلة للحكم على المحسوسات وتسخيرها من جهة وللرقي الى الدرجة الثالثة من جهة أخرى. وهذه الدرجة الثالثة هي درجة الحقائق الثابتة الخالدة التي لا ينالها التغيير ولا تعرض لها الاستحالة والتي تؤثر ولا تتأثر والتي يسميها افلاطون بالافكار أو بالمثل. هذه الحقائق خالدة وجدت قبل كل شيء وستوجد بعد كل شيء وليس لشيء من المحسوسات وجود الا بها، صدرت عن الاله صدوراً ذاتياً، صدور المعلول عن العلة، ثم اتخذها الاله نموذجاً صاغ عليه عالم المحسوسات
وأنا اعتذر اليك من هذاء الغموض فقد أبذل ما استطيع من جهد للتوضيح دون أن ابلغ أكثر مما وصلت اليه الا أن أتجاوز ما شرطت من الايجاز والاختصار . وخلاصة القول أن افلاطون يرى في هذا العالم المحسوس طائفة من الظواهر التي لا وجود لها بنفسها وانما هي صادرة عن عالم آخر هو عالم الحقائق الخالدة. ومن هنا كانت درجات العلم ثلاثاً فكان هناك العلم بهذه المحسوسات أو بهذه الظواهر وهذا العلم هو احقر أنواع العلم. لانه ظن يتغير ويتبدل بتغير موضوعاته وتبدلها. وكان هناك علم آخر أرقى من هذا العلم الأول وهو العلم بالاشياء العامة التي تنتزعها النفس من هذه الشخصيات المتغيرة المتبدلة، هو العلم بالاجناس والانواع، هو العلم بالكليات والقضايا العامة التي ليست هي شخصيات متغيرة أو متبدلة، وهذا العلم تكتسبه النفس اكتساباً بملاحظة المحسوسات ومقارنتها والتفريق بينها فهي تنتزع النوع الانساني من أفراد الإنسان كما تنتزع جنس الحيوان من أنواع الحيوان وهلم جرا… ثم كان هنالك علم آخر هو العلم حقاً وهو الفلسفة حقاً وهو اليقين حقاً. هذا العلم هو العلم بتلك الحقائق الثابتة التي قلنا أنها خالدة لا تتغير ولا تتبدل
ولست اريد أن أتعمق في تفصيل الصلة التي توجد بين هذه الدرجات الثلاث من الكائنات وبين هذه الدرجات الثلاث من العلم فذلك كله يخرج بنا عما تريد من الايجاز. انما ألاحظ أن العلم بهذه الحقائق الثابتة هو الغاية التي يسعى اليها الفيلسوف حقاً وانه لا يصل اليها الا بعد مشقة وجهد عنيف ولكنه اذا وصل اليها فقد وصل الى الخير كله واستطاع أن يمتزج بمصدر للكون أو بالاله. وما الاله عند أفلاطون؟ وكيف أوجد هذا العالم وأثر فيه؟ الاله عند أفلاطون فكرة هي مصدر كل شيء ومرجع كل شيء. وهي فكرة الخير وجدت بنفسها قبل أن يوجد الزمان وهي موجودة مع الزمان وستوجد بعده لا علاقة لها به ولا تأثير له فيها وعنها صدرت كل الحقائق الخالدة ولكن هذه الحقائق الخالدة ليست محسوسة ولا سبيل الى أن تحس ومهما يبلغ أفلاطون من اثباتها فلن يصل إلى تفسير هذا العالم المحسوس . فكيف وجد هذا العالم؟ يرى أفلاطون أن الاله وحده لا يستطيع ايجاد هذا العالم بل أن هذه الحقائق لا تستطيع ايجاد هذا العالم واذن فلا بد من عنصر ثالث ليوجد هذا العالم وهذا العنصر الثالث هو المادة التي وجدت وحدها. والتي اتخذها الاله سبيلا الى ايجاد هذا العالم المحسوس
نظر الى الحقائق الخالدة التي صدرت عنه فاتخذها مثلا ونماذج صاغ عليها هذا العالم المحسوس، ثم لاجل أن تنبعث الحياة في هذا العالم المجسوس أوجد الاله صلة بينه وبين هذه المثل فليس الانسان الموجود في الخارج الا مظهراً للحقيقة الثابتة الخالدة التي هي الانسانية وكذلك قل في جميع الموجودات الاخرى
وليس يعنينا أن نفصل هذه الصلات بين الحقائق الثابتة والعالم المحسوس ولا أن نصف هذه الطرق الملتوية التي اتخذها أفلاطون ليبين كيف استطاع الاله ايجاد العالم وتدبيره. كل ذلك لا يعنينا الآن وانما الذي يعنينا هو أن نلاحظ أن هذه الفلسفة كان لها الاثر العظيم جداً في حياة العقل الانساني قديماً وحديثاً. فأثر المدرسة الافلاطونية القديمة وأثر المدرسة الافلاطونية الحديثة في العالم اليوناني والروماني أشهر من أن نحتاج الى ذكره ثم أثر المدرسة الافلاطونية التي انشئت في الاسكندرية ظاهر بيّن وحسبك أن الديانة المسيحية لم تخلص منه وحسبك أنه عمل في تكوين العقل الشرقي عملاً بعيد الاثر لم يتناول الطبقات الراقية وحدها بل تجاوزها الى غيرها من الطبقات الدنيا في العصور المختلفة. أما أثر هذه الفلسفة في الحياة الاوربية أثناء القرون الوسطى وفي هذا العصر الحديث فاعظم وأبعد من أن نلم به في هذا الفصل، ولعلك تعلم أن الفلسفة الأفلاطونية ما زالت حية إلى الآن وما زال لها ممثلوها والمدافعون عنها بين فلاسفة الغرب
٦— على أن جزءاً آخر من فلسفة أفلاطون يستحق عناية خاصة لانه يمتاز بشيء من الخصب والغناء لم تظفر به الاجزاء الأخرى لفلسفته، نريد به هذا الجزء الخلقي السياسي، فشخصية أفلاطون فيه بارزة قوية خالدة مهما تختلف العصور وتتبدل الظروف وهذا الجزء من فلسفة أفلاطون متصل بالاجزاء الأخرى ليس منفصلا عنها ولا ممتازاً منها، فقد رأيت أن الكون كله يدور حول نقطة واحدة عنها صدر واليها يرجع وهي فكرة الخير أو الاله، واذا كانت هذه الفكرة هي مصدر الكون ومرجمه وهي التي ينتهي اليها بحث الفيلسوف فينبغي أن تكون هذه الفكرة نفسها غاية الحياة العملية الانسانية أيضاً، ينبغي أن تكون هي مصدر السعادة وينبغي أن تكون هي المثل الاعلى الذي يطمح اليه الانسان في حياته العملية كما أنها المثل الاعلى الذي ينتهي اليه في حياته النظرية. ذلك لان الاخلاق ليست عملاً عند افلاطون وانما هي علم، أو قل ان أفلاطون لا يفرق في الاخلاق بين العلم والعمل فهو يؤكد كما كان يؤكد سقراط أن مصدر ما نتورط فيه من الرذائل والآثام انما هو جهلنا بالخير وقصورنا عن ادراكه، فاذا ازيل هذا الجهل واتيحت لنا القوة التي تمكننا من ادراك الخير ومشاهدته فنحن بمأمن من الرذائل والآثام، وليس يستطيع أفلاطون كما لم يكن يستطيع سقراط أن يتصور أن الانسان يقدم على الشر وهو يعلم أنه شر وينصرف عن الخير وهو يعلم أنه خير. واذن فالفلسفة التي تؤدي الى ادراك فكرة الخير ليست مصدر السعادة النظرية العلمية وحدها بل هي مصدر السعادة العملية أيضاً، فالفيلسوف أسعد الناس لأنه يدرك الخير ويراه، ثم لانه يسعى اليه ويطمع فيه وينظم حياته تنظيما يجعلها ملائمة له
على أن أفلاطون لا يكتفي بهذا التفسير النظري الخالص وانما يحاول أن يفسر لنا مصدر هذا الجهل الذي يورطنا في الشر والاثم وتفسيره لهذا الجهل بديع قوي فيه شعر وفيه فلسفة معاً. فالنفس عند أفلاطون مزاج يتألف من قوى ثلاث، احداها هذه القوة العاقلة التي تتفهم الاشياء وتتبينها وتنتقل من المحسوس الى المفهوم ومن المركب الى المجرد حتى تنتهي الى الحقائق الثابتة ثم الى حقيقة الحقائق أو فكرة الخير أو الاله. والثانية هذه القوة الغضبية التي وكل اليها الدفاع عن الحياة والاحتفاظ بها وهي التي نسميها الشجاعة وهي التي تحملنا على أن نغضب ونثور كلما احتجنا الى الغضب والثورة. والثالثة هذه القوة الشهوية التي تعنى بوجود الجسم المادي لأنها تحمله على ارضاء شهواته المختلفة، على الاكل والشرب وما يتصل بهما من أنواع اللذات. ولكل قوة من هذه القوى الثلاث مركزها في الجسم. فاما الاولى فمستقرها الرأس، وأما الثانية مستقرها الصدر، وأما الثالثة فمستقرها البطن. والنفس عند أفلاطون تشبه عربة يقودها جوادان أصيلان أحدهما الغضب والآخر الشهوة، أما سائق الجوادين فهو العقل. واذن فلا بد من أن يوجد بين هذين الجوادين توازن في القوة وتوافق في الحركة من جهة، ولا بد من أن يوجد بينهما وبين السائق توازن آخر يضطرهما الى الخضوع له والاذعان لأمره من جهة اخرى. فاذا اختل التوازن بين الجوادين أو بينهما وبين السائق فذلك مصدر الشر الذي نتورط فيه. قد تسرف القوة الغضبية حتى تسيطر على القوتين الأخريين واذن فنحن متهورون مندفعون وقد نسرف القوة الشهوية واذن فنحن عبيد اللذة وأرقاؤها. وعلى هذا التحو يرى أفلاطون أن الفضيلة حقاً انما هي مزاج ينتج من التوازن بين هذه القوى بحيث يستطيع الجسم أن يحيا ويحتفظ بحياته دون أن يحول بين النفس العاقلة وبين الطموح الى الخير والسعي الى الوصول اليه
شيء آخر يتم نظرية افلاطون في الاخلاق ويعين على فهم هذه الشخصية القوية وعلى فهم ما كان لفلسفة أفلاطون من أثر بعيد في الحياة الانسانية وهو رأيه في العقوبة الخلقية. فليس يكفي أن يمثل لك الخير ويدعوك اليه بل ليس يكفي أن يمثل لك الشر ويحذرك منه وانما هو يرى أن العقوبة أمر محتوم لا منصرف عنه ولا مقر منه، فلكل عمل جزاؤه له الثواب إن كان خيراً وله العقاب إن كان شراً، تلك نتيجة محتومة العدل وهي نتيجة طبيعية ليست متكلفة ولا مصطنعة، ليست كهذه العقوبات التي تفرضها القوانين المكتوبة وإنما هي أقوى وأنفع وألزم من هذه العقوبات. يرى افلاطون أن هذه العقوبة ليست شراً وإنما هي الخير كل الخير، ذلك انها لا ترمي الى الانتقام ولا الى التعذيب وإنما ترمي إلى التصفية والتطهير. فالنفس الآثمة عندما تعاقب تطهر من أدران الاثم وتعد لأن تستأنف حياتها الصالحة الراقية التي تلحقها بنفوس الاخيار وترقى بها إلى مستقرها الاول في الملأ الأعلى. أما تفصيل هذه العقوبات فجميل لا يخلو من لذة شعرية ولا من قوة خيالية مدهشة وحسبك أن مذهب التناسخ يختصر هذه العقوبات. فالنفس الآثمة بعد الموت تعود الى هذه الحياة لتمحو إثمها وهي تستقر في جسم من الاجسام يلائم نوع الإثم الذي اقترفته. كانت نفس رجل فهي الآن نفس إمرأة ، كانت نفس انسان فهي الآن نفس فرس أو نفس كلب أو نفس حمار وهَلمّ جرا…فأنت ترى أن النظرية الخلقية لافلاطون متصلة بنظريته في الطبيعة وفيما بعد الطبيعة. وليست نظريته السياسية بأقلى اتصالا بفلسفته العامة من نظريته الخلقية. ذلك لأن رأيه السياسي يقوم على رأيه الخلقي. فالجماعة عنده كالفرد تتأثر بما يتأثر به وتخضع لما يخضع له ويجب أن تطمح إلى ما يطمح اليه. واذا كان الفرد مكلفاً أن يطمح إلى العدل الذي يرقى به إلى المثل الاعلى وهو الخير فالجماعة مكلفة أن تطمح أيضاً إلى هذا العدل. وقد رأينا أن العدل بالقياس إلى الفرد هو التوازن بين قوى النفس الثلاث أو بين الانفس الثلاث كما يقول أفلاطون، فكذلك العدل السياسي توازن بين الانفس الثلاث الاجتماعية أو السياسية. فللجماعة أنفس ثلاث كالفرد لها نفسها العاقلة وهي الحكومة التي تقوم منها مقام العقل من الفرد ولها نفسها الغضبية التي تحميها وتحفظ عليها قوامها في الداخل والخارج وهي الجيش ولها نفسها الشهوية التي تقدم اليها ما تحتاج اليه من أدوات الحياة وهي طبقة العمال والزراع ومن اليهم، واذن فالحياة الاجتماعية السعيدة التي يتحقق فيها التوازن بين هذه الانفس الثلاث. وليس تحقيق هذا التوازن بالأمر اليسير كما أن تحقيق التوازن عند الفرد ليس بالامر اليسير أيضاً. ألست ترى أن الكثرة المطلقة من الافراد أشقياء؟ ألست ترى أن كل المدن والدول القائمة إنما تخضع لألوان من الشقاء السياسي لا تكاد توصف ولا تحصى؟ واذا لم يكن بد من أن يؤخذ الفرد بنوع خاص من التربية يمكنه من أن يحقق التوازن بين أنفسه الثلاث فليس هناك بد من أن يؤخذ الأفراد بتربية سياسية تمكنهم من أن يكونوا المدينة الفاضلة التي يتحقق فيها التوازن بين الانفس الاجتماعية الثلاث. ولست أفضل لك قواعد التربية عند افلاطون فذلك شيء يطول ومن اليسير عليك أن تقرأه في الجمهورية فستجد في قراءته لذة لا تعدلها لذة. ولكني أجمل لك النتائج السياسية التي انتهى إليها افلاطون والتي كونت مدينته الفاضلة التي هي في الحقيقة مثل أعلى ليس الى تحقيقه من سبيل والتي ندهش نحن الآن لأن فيلسوفاً كأفلاطون تصورها وحاول أن يجعلها حقيقة واقعة. يريد افلاطون أن تتألف مدينته الفاضلة من هذه الطبقات الثلاث التي قدمنا الاشارة اليها ويريد أن تكون الطبقة الاولى التي تشرف على الحكم بمنزلة العقل من الفرد وكيف تكون هذه الطبقة بمنزلة العقل إذا لم تتألف من الفلاسفة. الفلاسفة وحدهم قادرون على تدبير الحياة الفردية والاجتماعية لأنهم وحدهم قادرون على تصور الخير والوصول اليه، وإذن فافلاطون عدو للديمقراطية التي تكل الحكم الى الناس جميعاً دون أن تفرق بين كفاياتهم وحظوظهم من القوى العقلية، وهو عدو للارستقراطية التي تعتمد على المولد أو على الثروة والجاه. افلاطون ارستقراطي ولكن ارستقراطيته تعتمد على الفلسفة. ولا تبتسم ساخراً أو مزدرياً فما زال الفلاسفة الى اليوم والى غد ينحون هذا النحو ويطمعون أو يتمنون أن يكون الحكم إلى الفلسفة ولعلك تعلم شيئاً من رأي رينان في هذا
ثم يريد افلاطون أن يأخذ الطبقة الثانية طبقة الجيش بنوع من النظام شديد صارم يمكنها من أن تؤدي واجب الدفاع كما ينبغي ويمكنها من أن تحفظ التوازن بين هذه القوى التي تتألف منها المدينة ويعدها في الوقت نفسه لأن ترقى اذا أدركتها السن الى طبقة الفلاسفة الذين يحكمون. يريد افلاطون أن يزيل بين أفراد هذه الطبقة كل سبب للفرقة أو الخصومة، وأي سبب للفرقة أو الخصومة أقوى من الشخصية، يجب اذن أن تزول الشخصية، يجب ألا يوجد الفرد لنفسه بل للدولة ومعنى ذلك أن كل ما يكوّن الفرد وشخصيته يجب أن يزول، يجب أن تمحى الملكية فلا فقر ولا غنى ولا حقد بين الفقير والغني ولا خصومة بين الأغنياء، يجب أن تزول الأسرة فلا زوجية ولا ابوّة أي يجب أن تكون المرأة حظاً شائعاً بين أفراد الطبقة جميعاً تشرف الحكومة على توزيعه بين هؤلاء الافراد، ويجب أن تمحى الابوة فلا يثبت النسب من الافراد وانما الاطفال جميعاً أبناء الدولة تغذوهم وتقوم على تريتهم وتنشيئهم حتى يبلغوا سن الرشد ويندمجوا في الجيش، وهي لا تربيهم جميعاً أو قل لا تحتفظ بهم جميعاً وإنما تحتفظ منهم بمن تستيقن انه نافع للدولة يستطيع أن يدفع عنها حقاً. واذن فالمرضى من الأطفال والذين ساء تكوينهم أو أصابتهم العاهات يجب أن تنبذهم الدولة نبداً. ولا يفرق افلاطون في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة في هذه الطبقة وإنما هما سواء على أن توزع الحكومة بينهما حظوظهما من الحقوق والواجبات فتكلف كلا ما هو أهل له من الواجبات لصيانة الدولة وحياطتها
اما الطبقة الثالثة فيكاد يهملها افلاطون وهو لا يريد منها إلا أن تقدم الى الجيش والحكومة ما يحتاجان اليه، ومن هنا لم يلغ الملكية في هذه الطبقة ولم يلغ الاسرة، وما يعنيه من هذه الطبقة ما دامت خاضعة لسلطان الجيش وسلطان الحكومة
هذه هي المدينة الفاضلة الافلاطونية اعطيتك منها صورة موجزة بل ناقصة لأني أهملت كثيراً من النظريات الافلاطونية في السياسة والتربية حرصاً على الايجاز، والناس يرون أن هذه المدينة الافلاطونية حلم من أحلام الخيال، ولكن من الحق علينا أن نلاحظ شيئين، أحدهما أن أفلاطون نفسه قد سبق الناس جميعاً إلى الشعور بأن مدينته هذه خيال ليس إلى تحقيقه من سبيل فعدل في كتاب القوانين وهو آخر كتاب كتبه ويقال أنه تركه غير كامل ولا منقح عن بعض هذه الآراء الخيالية لا لأنه جحدها أو عرف أنه مخطئ فيها بل لأن تجاربه في صقلية وملاحظاته في بلاد اليونان قد بينت له مكان الغلو في هذه النظريات وعلمته أن المثل الاعلى شيء والحقيقة الواقعة شيء آخر. الملاحظة الثانية أن هذه النظريات الافلاطونية التي تمثل ما يجب أن يكون لا ما يمكن أن يكون قد تركت آثاراً قوية جداً في الحياة الانسانية المعاصرة له والتي جاءت بعده. فقد يقال أن بعض المدن اليونانية الاسيوية تأثرت بسياسة أفلاطون وطلبت الى بعض الافلاطونيين أن يضعوا لها النظم السياسية الملائمة للمدينة الفاضلة قليلا أو كثيراً كما أن بعض المدن اليونانية في ايطاليا تأثرت بالفلسفة «الفيثاغورية» ووكلت أمورها الى الفيثاغوريين
ومهما يكن نصيب السياسة الافلاطونية من الفوز أو الاخفاق في حياة المدن اليونانية فان هذه السياسة قد أحرزت فوزاً عظما لا يزال قائماً إلى الآن والى غد وهو فوزها في الكنيسة المسيحية الكاثوليكية بنوع خاص. فان شيئاً من المقارنة بين نظام افلاطون وتصوره للطبقة الحاكمة في مدينته الفاضلة وبين نظام الكنيسة الكاثوليكية يقنعك بأن هذه الكنيسة تأثرت تأثراً غير قليل بالفلسفة الأفلاطونية في نظامها الدستوري الذي لا يزال قائماً
وجملة القول أن شخصية افلاطون كانت وما زالت وستظل
أبداً شخصية قوية عظيمة التأثير في الحياة العامة بحيث أنك لن
تستطيع أن تدرس مذهباً روحياً قديماً كان أو حديثاً دينياً كان.
أو فلسفياً الا وجدت للفلسفة الأفلاطونية فيه أثراً يختلف قوة
وضعفاً باختلاف الظروف التي أحاطت بتكوين هذا المذهب. ولقد
يكون من اللذيذ أن ندرس في يوم من الايام تغلغل التأثير الافلاطوني
في الطبقات المختلفة من الشعوب المتباينة فإلى الفلسفة الأفلاطونية
ممتزجة بعناصر أخرى متنوعة يرجع كثير من فنون السحر والكهانة
والتصوف وما الى ذلك من هذه الفنون التي لا تزال عظيمة السلطان
على الطبقات الدنيا في أكثر الشعوب
لم يكد افلاطون يأخذ في تعليمه الفلسفي في اثينا حتى أسرع إليه الناس يستمعون له ويناقشونه ويحاورونه وما هي إلا أن أصبحت مدرسته مجمعاً علمياً أو قل مجمعاً فلسفياً لا يتألف من التلاميذ والاستاذ بل يتألف من طائفة من الفلاسفة يتقسمون العمل فيما بينهم ويعنى كل واحد منهم بمسألة أو طائفة من المسائل يدرسها ويفرغ لتحقيقها حتى اذا مات افلاطون خلفه تلاميذة على ادارة المدرسة وتفرق أصحابه في المدن اليونانية كما تفرق أصحاب سقراط فأنشأوا فيها المدارس الافلاطونية التي اختلفت ميولها ولكنها كانت أقرب الى الاتفاق من المدارس التي انشئت بعد سقراط. على أن تلميذاً من تلاميذ افلاطون كان قد نزل من قلب استاذه منزلة خاصة حتى اعجب به هذا الاستاذ فكان يسميه «العقل». هذا التلميذ لم يلبث أن انشأ مدرسة في اثينا نفسها تعرضت لدرس المسائل الفلسفية التي تعرض لها افلاطون فغيرت وجهة النظر الفلسفي تغييراً ظاهراً وأعطت الفلسفة اليونانية شكلها الاخير، نريد بهذا التلميذ «ارسطاطاليس» وبهذه المدرسة مدرسة «اللوكايون» (Lyceée) ولا بد من أن تخصص لارسطاطاليس ومدرسته بحثاً كهذا البحث الذي خصصناه لافلاطون