قادة الفكر/أرسطاطاليس
ارسطاطاليس

١- شهد سقراط في شبابه مجد الأمة اليونانية عامة ومدينة أثينا خاصة وشهد في شيخوخته هذه الجهود العنيفة التي كانت تبذلها هذه الامة اليونانية نفسها لتقضي على ما كان لها من قوة وسلطان. شهد تلك الحرب التي لم يعرف العالم القديم مثلها. والتي أثرت في الحياة اليونانية تأثيرين مختلفين، فرقت الحياة العقلية وحطت الحياة السياسية وكانت فلسفة سقراط ممثلة لهذين التأثيرين، كان فيها انصراف عن الحياة السياسية وازدراء لها أو قل كان فيها سخط هذه الحياة السياسية وكانت فيها من ناحية اخرى عناية بالحياة العقلية وحرص على تقويتها وترقيتها وتهذيبها. وشهد أفلاطون في شبابه ضعف الامة اليونانية عامة ومدينة أثينا خاصة وتدخل الاجنبي في أمر هذه الأمة التي كانت شديدة البأس واسعة السلطان، فأصبحت أداة تصطنعها الامة الفارسية لارضاء مطامعها المختلفة في آسيا وفي اوربا وشهد في شيخوخته انحلال هذه الامة اليونانية وموت الروح الوطني فيها، وكانت فلسفته ممثلة لهذا العصر الذي عاش فيها تمثيلا صحيحاً؛ فكانت من جهة كفلسفة سقراط ترمي الى تقوية الحياة العقلية ومحاولة أن تكون وحدها غاية الرجل الحكيم وكانت من جهة أخرى كفلسفة سقراط أيضاً تمثل السخط على الحياة السياسية الحاضرة وتتخذها موضوعاً للعبث والسخرية ولكنها لم تكن يائسة من الاصلاح وإنما كانت تخالف فلسفة سقراط وترمي الى وضع نظام جديد للحياة السياسية ليس يعنينا الآن أكان في نفسه حسناً أم سيناً، معقولاً أم غير معقول، ولكن الذي يعنينا أنه كان محاولة للاصلاح ورغبة في اقامة بناء سياسي جديد ودليلا واضحاً على أن البناء السياسي القديم الذي كان قد أخذ يتصدع أيام سقراط قد أشرف الآن على أن ينهار ولم يبق من الاستعداد بد لاقامة بناء جديد على أنقاضه. وقد عرفت من الفصول السابقة فلسفة سقراط وأفلاطون وتأثيرها في الرأي العام أثناء حياة هذين الفيلسوفين و بعد موتهما. أما الفيلسوف الذي أريد أن أحدثك عنه في هذا الفصل فمتصل بهذين الرجلين العظيمين من جهة ومنفصل عنهما من جهة أخرى
هو سقراطي وهو افلاطوني لأنه كان كسقراط وكأفلاطون يقيم فلسفته على أن الحقائق ثابتة وعلى أن الشك سخيف وعلى أن هذه الحقائق الثابتة تنتهي كلها آخر الأمر الى حقيقة عليا عنها صدرت واليها تعود وهي حقيقة الاله الذي صدر العالم عنه والذي يعود العالم اليه ولكنه يخالف سقراط ويخالف افلاطون في طريقة البحث والتفكير والنتائج الفلسفية التفصيلية التي انتهى اليها وربما كان من الحق أن تقول انه يخالف سقراط و افلاطون مخالفة شديدة في تكوين عقله وتوجيه هذا العقل الى حقائق العلم وظواهر الحياة
(٢) وكما أن فلسفة سقراط وفلسفة افلاطون تمثلان الحياة اليونانية في عصريهما فان فلسفة ارسطاطاليس تمثل هذه الحياة أيضاً تمثيلاً قوياً صادقاً، فهي الدليل الناطق بأن الفلسفة السقراطية قد نجحت فيما كانت تحاول من اضعاف النظم السياسيّة القائمة، وهي الدليل الناطق بأن الفلاسفة كانوا مصيبين في فهم الحياة السياسية والاقتناع بأنها سيئة وبأنها منتهية للكوارث من غير شك
كان عصر ارسطاطاليس عصر تطور غريب لم يشهد العالم القديم مثله وقد بدأ هذا التطور ضئيلاً ضيقاً لم يتجاوز شبه جزيرة البلقان حيث أخذ سلطان المقدونيين يعظم ويقوى ويتجاوز حدود مقدونيا في عصر فيليب، وبينما كان سلطان المقدونيين يشتد داخل مقدونيا وينبسط خارجها كان الفساد يعظم ويشيع في المدن اليونانية على اختلاف قوتها ونظمها السياسية فلم يكن بد من أن تطمح هذه الدولة الناشئة الى السيطرة على هذه المدن المشرفة على الفناء. ثم لم تكد تخطر هذه الفكرة لزعيم المقدونيين وملكهم فيليب حتى أخذ في تنفيذها وكان كل شيء يسهل عليه هذا التنفيذ وكان للفلسفة حظ عظيم في تسهيله فهي عملت في هدم النظم السياسية القديمة وأسرفت في ازدرائها حتى شككت الناس فيها وصرفتهم عنها. ثم لم تكتف بذلك بل أخذت تدعو الى تغيير هذه النظم والى القضاء على هذه الحياة التي تضطر اليونانيين الى الخصومة والعنف وتورطهم في الحروب المتصلة المهلكة للنفوس والاموال. وظهر في البلاد اليونانية قوم يدعون سراً وجهراً الى وجوب أن يقوم سلطان قوي قاهر يبسط قوته على هذه الأمة اليونانية فيضبط أمورها ويكرهها على احترام السلم فيما بينها من جهة ويوجه قوتها الحربية الى الشرق والى الفرس من جهة أخرى. وليس من شك في أن هؤلاء الدعاة من الكتاب والادباء والفلاسفة كانوا متصلين أشد الاتصال بقصر فيليب وفي أن فيليب كان يمد أكثرهم بالمال والمعونة ويتخذهم قوة معنوية يمد بها لقوته المادية الضخمة. وقد وفق فيليب في هذا فظهرت في المدن اليونانية كلها أو أكثرها أحزاب سياسية تميل الى مقدونيا وترغب في مخالفتها ومناصرتها وكانت هذه الأحزاب بطبيعتها مخاصمة للديمقراطية أو للديمقراطية المتطرفة على أقل تقدير، وقد تم النصر لفيليب فقهر الأمة اليونانية واضطرها إلى أن تذعن لسلطانه وتنتخبه قائداً عاماً لجيوشها وتكلفه حرب ملك الفرس. فلما مات فيليب نهض ابنه الاسكندر، لتنفيذ خطته فأنفذها كما تعلم وكما منعرض لذلك في فصل غير هذا الفصل
وكان ارسطاطاليس يوناني الأصل ولكنه مقدوني النشأة، وُلد في مستعمرة يونانية قريبة من مقدونيا يقال لها «ستاجيرا» ولكنه نشأ في مقدونيا لأن اباه نيكوماخوس كان طبيباً لملك من ملوكها وقد تأثر من غير شك بحياة القصر المقدوني وعادات الاشراف المقدونيين وظهرت نتائج ذلك واضحة جلية في حياته وفلسفته معاً. فلم يكن ارسطاطاليس سقراطي السير ولا افلاطونياً في حياته وانما كان رجلاً عملياً يعيش كما يعيش غيره من الناس متمتعاً بلذات الحياة كما يستمتع بها غيره من الناس لا يضيق على نفسه ولا يتكلف زهداً ولا تورعاً ولا حرماناً وكان كما سترى عملياً في فهمه وتصوره وحكمه على الاشياء. وليس من شك في أنه كان مقدوني النزعة السياسية يقدر فساد الحياة اليونانية العامة كما يقدر قوة مقدونيا وقدرتها على ضبط الأمور. وقد رحل إلى أثينا حين بلغ العشرين فاختلف الى اساتذة البيان والفلسفة فيها ولكنه لازم افلاطون ملازمة خاصة
فتن بافلاطون وفتن به أفلاطون أيضاً حتى لقد يقال ان أفلاطون كان يؤثره وكان يسميه القَرَّاء وكان يسميه العقل أيضاً. وقد ظل ملازماً لأفلاطون أعواماً طوالا فقد كان يختلف الى الاكادمية ويشترك في محاوراتها الفلسفية المختلفة، فلما مات افلاطون سنة ٣٤٧ قبل المسيح وتفرق نفر من تلاميذه عن أثينا ساح أرسطاطاليس في الأرض حيناً فزار آسيا اليونانية التي كانت خاضعة حينئذ لسلطان الفرس. وكما أن حياته في مقدونيا وفي البلاد اليونانية أقنعته بضعف السلطان اليوناني وفساد أمر اليونان فان حياته في آسيا اقنعته بضعف الفرس وفساد أمرهم. ولا شك في أن رجلاً ذكي القلب رشيداً كأرسطاطاليس كان يقدر هذا الفساد العام في الشرق والغرب ويرى كما كان يرى غيره من المفكرين أن الخير كل الخير هو أن تقوم دولة قوية فتجمع كل هذه القوى المتفرقة الضائعة وتوجهها الى ضبط الأمر في العالم المتحضر، ولكن حياة أرسطاطاليس لم تكن في ظاهر الأمر سياسية وانما كان الرجل منصرفاً الى التفكير والى البحث الفلسفي. وقد عاد الى أوربا ودعاه فيليب الى تربية ابنه الاسكندر وتأديبه فعاش في القصر المقدوني أعواماً. ومهما يكن من شيء ومهما تسكت النصوص التاريخية فقد كانت لحياة أرسطاطاليس في قصر فيليب آثار سياسية مزدوجة، كان يشير على فيليب وكان يكوّن الاسكندر تكويناً ملائماً لأطوار العصر الذي يعيش فيه ولآمال فيليب وآمال مقدونيا أيضاً
ثم مات فيليب وأخذ الاسكندر في تنفيذ خطة أبيه فعاد أرسطاطاليس الى أثينا وأنشأ فيها مدرسته المعروفة باسم «لوكايون» (Lycoée) واتصلت الرسائل بينه وبين تلميذه الملك وكان الملك يرسل اليه الاموال والطرائف من آسيا معونة له على بحثه العلمي. على أن الصلة فسدت آخر الأمر بين الاستاذ وتلميذه لأن ابن أخت الفيلسوف الذي كان مرافقاً للملك اتهم بالائتمار بالملك فقتله الاسكندر ونتج عن ذلك فساد الأمر بينه وبين أستاذه
مات الاسكندر وانتقض اليونانيون على السلطان المقدوني ورفعت الديموقراطية اليونانية برأسها وأخذت في تتبع المقدونيين وأنصارهم فخرج ارسطاطاليس من أثينا هارباً ولكنه لم يلبث أن مات بعد سنة أو نحو السنة في جزيرة «أوبوا» سنة ٣٢٣ قبل المسيح
(٣) المؤرخون القدماء والمحدثون مجمعون على أن أرسطاطاليس ترك من الآثار الفلسفية شيئاً ضخما لم يسبق الى مثله ولا الى ما يشبهه ولكنهم يختلفون في مقدار هذه الآثار اختلافاً عظماً جداً وقد لا يكون من الخير أن نعرض لهذا الاختلاف ولا لتفصيل البحث عن كتب ارسطاطاليس وما بقي منها فانك تجد ذلك مفصلاً في مقدمة كتاب «الاخلاق» الذي ترجمه إلى العربية الاستاذ أحمد لطفي السيد بك وفي مقدمة «نظام الاثينيين» الذي ترجمته أنا إلى العربية. وانما نكتفي هنا بالاشارة الى أن ارسطاطاليس كان ينهج في مدرسته منهجين مختلفين: منهج التعليم الخاص الذي لا يحضره ولا يشترك فيه الا تلاميذ المدرسة واعضاؤها، ومنهج التعليم العام الذي كان مباحا للكافة
كما أن تعليمه قد انقسم الى هذين القسمين فان كتبه وكتب تلاميذه انقسمت اليهما أيضاً فكانت منها الكتب المدرسية الخالصة التي انشئت للمدرسة ولأبحاثها والتي لم يكن يحسن فهمها ولا التصرف فيها إلا الذين تعودوا لغة المدرسة وأساليبها ومناهجها الفلسفية، وكانت منها كتب أخرى سهلة يسيرة توضع لعامة الناس وتذاع فيهم وهذه الكتب هي التي ذهبت بها كلها أو أكثرها أحداث الزمان، أما الاخرى فقد يقيت في المدرسة ثم انتقلت منها وعبثت بها الحوادث حيناً حتى استولى «سولا» الروماني على مدينة اثينا فنقلها الى روما وقد أصابها فساد شديد. ومن ذلك الوقت أخذ الفلاسفة في درسها وتصحيحها واذاعتها وقد بقي لنا أكثر هذه الكتب وهو يزيد على الاربعين. واذا نظرنا في جملة ما يقي لنا من آثار ارسطاطاليس استطعنا أن نتصور بوجه ما عمل مدرسته وعمله أيضاً فقد يظهر أن ارسطاطاليس لم يكن يقصر عمله كما كان يفعل افلاطون على البحث الفلسفي ووضع الكتب الفلسفية المختلفة وإنما كان يقصد الى شيء آخر أجل خطراً وأبعد أثراً في الحياة العقلية العامة من هذا كله، كان يريد أن تكون فلسفته وكتبه خلاصة صادقة لكل ما وصل اليه العقل الانساني من نتائج البحث عن كل شيء، كان يريد أن تكون كتبه أشبه شيء بما نسميه نحن دائرة المعارف الآن. ويظهر أنه كان يقسم العمل بين أصحابه فيختص كل واحد منهم بنوع من أنواع البحث وفن من فنون الفلسفة يدرسه ويستقصيه ويقدم نتيجة درسه الى المدرسة ومن هذه النتائج المختلفة كان يتكون البحث الفلسفي العام الذي يختصرها ويلخصها. يظهر هذا ظهوراً قوياً في كتاب «السياسة» فنحن نعلم أن ارسطاطاليس جدّ في الاستعداد لهذا الكتاب فاستقصى النظم الدستورية لطائفة ضخمة جداً من المدن اليونانية وغير اليونانية واستطاع بعد هذا الاستقصاء أن يضع كتاب «السياسة» الذي هو الخلاصة العامة لكل هذا البحث الطويل الدقيق. ولدينا نموذج لهذا البحث المفصل وهو كتاب « نظام الاثينيين » الذي استكشف في مصر آخر القرن الماضي والذي يمثل لنا دقة في البحث ومهارة في الاستقراء لم يكن للعلم بهما عهد من قبل
(٤) على أن ارسطاطاليس يخالف افلاطون وسقراط من وجهة أخرى هي نهجه التعليمي الخالص فلم يكن يعتمد في هذا النهج كما كان يعتمد سقراط وافلاطون على الحوار ولم يكن يعنى كما كان يعنى افلاطون بالاجادة الفنية البيانية وانما كان عالماً قبل كل شيء يهجم على موضوعه هجوماً دون أن يدور حوله بالحوار والمناقشة ويعنى بالفكرة قبل أن يعنى باللفظ الذي يسوغها فيه ومن هنا لم تكن كتب ارسطاطاليس ككتب افلاطون نموذجاً فنياً للإجادة البيانية وإنما هي نموذج خالد لإجادة البحث العقلي واتقانه، على أن هناك وجها آخر ظهر فيه الخلاف بين ارسطاطاليس وبين افلاطون وسقراط فقد كان سقراط يتنقل بفلسفته في شوارع اثينا من حانوت إلى حانوت ومن ميدان الى ميدان ثم جاء افلاطون فأقر تعليمه الفلسفي في مدرسة اختارها لهذا التعليم هي «الاكادمية» كان يعيش فيها ويختلف اليه تلاميذه فیدرسون ويتحاورون، أما ارسطاطاليس فقد تخير المدرسة واستقر فيها مع تلاميذه كما فعل افلاطون، ولكنه لم يكن يعلم ولا يحاور جالساً مستقراً وإنما كان يمشي في حديقة مدرسته ومن حوله أصحابه وتلاميذه فيدرسون ويحللون ويستنتجون فكان وسطاً في ذلك بين سقراط المتنقل وافلاطون المستقر ، ومن هذا المشي مع أصحابه سميت مدرسته مدرسة المشائين واطلق اسم المشائين على الذين ينتمون الى مذهب ارسطاطاليم في الفلسفة وربما كان من الحق ان تقرر أن ارسطاطاليس قد نهض بالفلسفة نهوضاً عظماً ورقاها ترقية يعيدة الأثر حين عدل عن أسلوب الحوار إلى أسلوب البحث المباشر المتصل فقد يصلح الحوار في ألوان من الفلسفة وضروب من التفكير ولكنه من غير شك بعيد كل البعد عن أن يلائم البحث الفلسفي العميق عن الطبيعة وما بعد الطبيعة وعن المنطق وما يتصل به من فنون الادب فهو اذا صلح اسلوباً للبحث السياسي والخلقي لا يصلح لغيرهما، ومن هنا كانت فلسفة ارسطاطاليس في الطبيعة وما بعد الطبيعة أشد استقراراً وأقدر على البقاء من فلسفة افلاطون
(٥) ولقد أشق ولقد أسرف في الاطالة لو اني حاولت أن أختصر لك صورة ما من فلسفة ارسطاطاليس. وكيف السبيل إلى ذلك في صحف معدودة ولم يترك ارسطاطاليس فنا من فنون الفلسفة ولا لوناً من ألوان البحث الانساني الا عرض له وقال كلمته فيه، انما الذي يعنيك من فلسفة ارسطاطاليس هو أن تعلم أنه الفيلسوف الوحيد الذي حاول في العصر القديم ان ينظم العلم الانساني من جهة ويستقحي قوانين التفكير والتعبير والسيرة العامة والخاصة من جهة أخرى. ففلسفته تدور على هذين الأمرين، تريد أن تعلم الى أي حد وصل العقل الانساني في القرن الرابع قبل المسيح في درس مسألة بعينها من مسائل الطبيعة أو ما بعد الطبيعة فمرجعك في ذلك انما هو ارسطاطاليس، تجد فيه نتائج البحث الذي سبقه، وتجد فيه نقد هذه النتائج، وتجد فيه رأيه الخاص في هذه النتائج. ومن هنا انقسمت فلسفة ارسطاطاليس الى قسمين أساسيين أحدها القسم الذي أحدث آثاره الطبيعية المعقولة ثم أصبح شيئاً تاريخياً يرجع اليه الذين يدرسون تاريخ الفلسفة وتاريخ الحياة العقلية عامة ليستعينوا على فهم هذا التاريخ وهذا القسم هو المباحث التي تتصل بالطبيعة وما بعد الطبيعة فهو يدرس الآن ويدرس درساً دقيقاً لا لينتفع به انتفاعاً مباشراً في الحياة العملية بل ليستعان به على فهم العقل الانساني وما ناله من التطور على اختلاف العصور وليس هذا بالشيء القليل، الثاني هو القسم الذي احدث آثاره الطبيعية المعقولة وما زال يحدثها وسيحدثها أبداً دون أن يناله في ذلك ضعف أو قصور أي هو القسم الذي بقي وسيظل صالحاً للبقاء والذي لم يستطع العقل الانساني على رقيه ونضوجه أن يمحوه أو يغير منه قليلا وهو كل ما تركه أرسطاطاليس في المنطق والادب والاخلاق والسياسة، فقد استقصى ارسطاطاليس في المنطق قوانين المقل الانساني في البحث والتفكير على اختلاف درجاتهما واطوارهما وهذه القوانين ثابتة لا تتغير ملائمة للانسان من حيث هو انسان لا من حيث انه شرقي او غربي ولا من حيث أنه قديم أو حديث. وقد يتطور العقل الانساني فيشتد تأثره بناحية من أنحاء البحث دون ناحية أخرى ولكن هذا لا يستتبع الغاء قانون من القوانين التي استكشفها أرسطاطاليس وانما يستتبع تقديم هذه القوانين على بعض فقد كان القدماء واهل القرون الوسطى من العرب والأوربيين يعنون عناية خاصة بالقياس ويعتمدون عليه في بحثهم الفلسفي ثم تطور العقل واصبحت الفلسفة الحديثة تعتمد على الاستقراء أكثر مما تعتمد على القياس ونحن نعلم أن ارسطاطاليس قد استكشف قوانين القياس وقوانين الاستقراء جميعاً وأن الفلسفة الحديثة إن عنيت عناية خاصة بالاستقراء فهي لا تلغي القياس ولا تستطيع ان تلغيه لانه صورة طبيعية من صور التفكير الإنساني
وكما أن منطق ارسطاطاليس خالد فادبه خالد ايضاً. ونريد بهذا الادب قوانين البيان التي استكشفها ارسطاطاليس في العبارة والشعر والخطابة. فهذه القوانين باقية خالدة لانها الصور الطبيعية لتعبير الانسان عن آرائه كما أن قوانين المنطق هي الصور الطبيعية لتكوين هذه الآراء. ومن غريب الأمر أن أهل الادب الاوربي في اواخر القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث كانوا يزعمون أن ارسطاطاليس يقيد القصص التمثيلية المحزنة بقيود يقال هي الوحدات الثلاث: وحدة الزمان والمكان والعمل، فلما وضع «كورنيل» قصة «السيد» اشتدت حملة النقاد عليه لانه شذ عن هذه الوحدات ونشأ من هذا خلاف بين الادب القديم والاحرار من الادب الحديث كثر فيه القول كثرة فاحشة ثم استكشف ادب ارسطاطاليس وما كتبه عن الشعر وعن القصص التمثيلية المحزنة فاذا هو لم يذكر هذه الوحدات ولم يُشر اليها واذا آراء الأوربيين الذين كانوا يضيفون اليه هذه الوحدات لم تكن قائمة الا على الجهل والوهم واذا القوانين الادبية التي استكشفها ارسطاطاليس لا تزال باقية صالحة البقاء كقوانين المنطق. وقل شيئاً يشبه هذا بالقياس الى القوانين القياسية والخلقية التي استكشفها ارسطاطاليس فقد تطورت النظم السياسية وقواعد الاخلاق ولا شك في أنها ستتطور ولكن القواعد الاساسية لارسطاطاليس ستظل قائمة باقية لأنها تتبع هذا التطور وتسيطر عليه، فمهما تتغير الجماعات ونظمها فستظل القاعدة السياسية. الاساسية هي هذا القانون الذي وضعه ارسطاطاليس وهو أن حسن الحكومة وقبحها شيئان اضافيان فالحكومة الحسنة ليست هي الملكية ولا الجمهورية ارستقراطية كانت او ديموقراطية وانما هي الحكومة الملائمة للشعب، واذاً فكل حكومة مهما تكن صورتها خير اذا لاءَمت روح الشعب ومنافعه. فأي تطور اجتماعي او سياسي يستطيع أن يغير هذه القاعدة الخالدة؟ كذلك قد يتغير شعور الانسان وحكمه على الاشياء ومذهبه في قياس الخير والشر ولكن القانون الخلقي الذي وضعه ارسطاطاليس سيظل خالداً لانه فوق التطور يدبره ويسيطر عليه. فأي تطور يستطيع أن يغير هذا القانون قانون الاوساط الذي يقضي بأن الاسراف شر وبأن التقصير شر وبأن الخير حقاً إنما هو التوسط في الامر. وأي تطور يستطيع أن يغير هذا القانون الآخر الذي استكشفه ارسطاطاليس وانتهى اليه العلم الحديث وهو أن الامر في الاخلاق كالامر في السياسية يجب أن يقوم على الاضافية فليس هناك خير مطلق أو شر مطلق لا ينالهما تغير أو تبدل وانما الخير والشر اضافيان يتأثران بكل ما تتأثر به الحياة العامة والخاصة من الظروف
اذاً فليس من الحق أن ارسطاطاليس فيلسوف قديم وانما الحق أنه فيلسوف خالد ملائم لكل زمان ولكل مكان، هو كما سماه العرب حقاً «المعلم الأول»
(٦) وهو بحكم هذا الاسم قائد من قادة الفكر أو قل أكبر قائد من قادة الفكر وكيف تريد أن أثبت لك أنه أكبر قائد من قادة الفكر وأنت تعلم معي أن فلسفة ارسطاطاليس سيطرت منذ ظهورها على العقل الانساني القديم وأن فلسفة ارسطاطاليس هي التي كونت العقل العربي الاسلامي وهي التي أوجدت فلسفة العرب وتوحيدهم وهي التي تغلغلت في الحياة العربية حتى أثرت في البيان العربي تأثيراً قويا وأن فلسفة ارسطاطاليس هي التي كونت العقل الاوربي في القرون الوسطى وهي التي اتخذها العقل الاوروبي مصدراً و اساساً لعلمه وفلسفته في العصر الحديث. بل هناك ميزة يختص بها ارسطاطاليس دون غيره من الفلاسفة القدماء والمحدثين وهي ان خصومه والمنتمين الى المذاهب الفلسفية والدينية المناقضة لفلسفته يتخذون فلسفته نفسها وسيلة الى محاربته فالافلاطونيون ينقضون فلسفة ارسطاطاليس بنفس القواعد التي استكشفها ارسطاطاليس للبحث والنقض والاستدلال وكذلك قل عن المسيحيين والمسلمين والمحدثين من الفلاسفة، كل أولئك استخدم وما زال يستخدم منطق ارسطاطاليس لمخاصمة ارسطاطاليس، اذاً فهذا الاسم من الأسماء الخالدة التي قد تكون اشد من الدهر قدرة على البقاء إن صح مثل هذا التعبير. ومن اراد أن يبحث عن قادة الفكر فلن يستطيع أن يوفق الى اجادة البحث واحسانه الا اذا عني بارسطاطاليس وفلسفته وأنزلها منزلتها الحقيقية وهي المنزلة الاولى