عيون الأنباء في طبقات الأطباء/الباب الأول/كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها/القسم الخامس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
عيون الأنباء في طبقات الأطباء - الباب الأول

المؤلف: ابن أبي أصيبعة
كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها - القسم الخامس

أن يكون حصل شيء منها أيضًا بطريق الإلهام، كما هو لكثير من الحيوانات، فإنه يقال أن البازي إذا اشتكى جوفه عمد إلى طائر معروف يسميه اليونانيون ذريفوس، فيصيده ويأكل من كبده فيسكن وجعه على الحال، وكما تشاهد عليه أيضًا السنانير، فإنها في أوقات الربيع تأكل الحشيش، فإن عدمت الحشيش عدلت إلى خوص المكانس فتأكله، ومعلوم أن ذلك ليس مما كانت تغتذي به أولاً، وإنما دعاها إلى ذلك الإلهام لفعل ما جعله اللَّه تعالى سببًا لصحة أبدانها، ولا تزال كذلك إلى أن تحس بالصحة المأنوس إليها بالطبع، فتكف عن أكله، وكذلك أيضًا متى نالها أذى من بعض الحيوانات المؤذية ذات السموم وأكلت شيئًا منها فإنها تقصد إلى السيرج وإلى مواضع الزيت فتنال منه، ذلك يسكن عنها سورة ما تجده، ويحكى أن الدواب إذا أكلت الدفلي في ربيعها أضر ذلك بها، فتسارع إلى حشيشة هي بادزهرللدفلى فترتعيها، ويكون بها برؤها، ومما يحقق ذلك حالة جرت من قريب، وهي أن بهاء الدين بن نفادة الكاتب حكى أنه لما كان متوجهًا إلى الكرك كان في طريقه بالطليل وهي منزلة كثيرة نبات الدفلى، فنزل هو وآخر في مكان منها وإلى جانبهم هذا النبات، فربط الغلمان دوابهم هنالك؛ وجعلت الدواب ترعى ما يقرب منها وأكلت من الدفلى، فأمّا دوابّه فإن غلمانه غفلوا عنها فسابت ورعت من مواضع متفرقة، وأما دواب الآخر فإنها بقيت في موضعها لم تقدر على التنقل منه، ولما أصبحوا وجدت دوابه في عافية ودواب الآخرين قد ماتت بأسرها في ذلك الموضع، وحكى ديسقوريدس في كتابه أن المعزى البرية بإقريطش إذا رميت بالنبل وبقيت في أبدانها فإنها ترعى النبات الذي يقال له المشكطرامشير، وهو نوع من الفوتنج فيتساقط عنها ما رميت به، ولم يضرها شيء منه. وحدثني القاضي نجم الدين عمر بن محمد بن الكرندي، أن اللقلق يعشش في أعلى القباب والمواضع المرتفعة، وأن له عدوًا من الطيور يتقصده أبداً، ويأتي إلى عشه ويكسر البيض الذي فيه، قال وإن ثم حشيشة من خاصيتها أن عدو اللقلق إذا شم رائحتها يغمى، فيأتي بها اللقلق إلى عشه ويجعلها تحت بيضه، فلا يقدر العدو عليها، وذكر أوحد الزمان في المعتبر أن القنفذ لبيته أبواب يسدها ويفتحها عند هبوب الرياح التي تؤذيه وتوافقه، وحكى أن إنسانًا رأى الحباري تقاتل الأفعى، وتنهزم عنها إلى بقلة تتناول منها، ثم تعود لقتالها، وإن هذا الإنسان عاينها فنهض إلى البقلة فقطعها عند اشتغال الحباري بالقتال، فعادت الحباري إلى منبتها ففقدتها وطافت عليها فلم تجدها فخرت ميتة، فقد كانت تتعالج بها، قال وابن عرس يستظهر في قتال الحية بأكل السَّذاب، والكلاب إذا دودت بطونها أكلت لسنبل وتقيأت واستطلقت، وإذا جرح اللقلق داوى جراحه بالصعتر الجبلي، والثور يفرق بين الحشائش المتشابهة في صورها، ويعرف ما يوافقه منها فيرعاه، وما لا يوافقه فيتركه، مع نهمه وكثرة أكله وبلادة ذهنه، ومثل هذا كثير، فإذا كانت الحيوانات التي لا عقول لها ألهمت مصالحها ومنافعها، كان الإنسان العاقل المميز المكلف، الذي هو أفضل الحيوان، أولى بذلك، وهذا أكبر حجة لمن يعتقد أن الطب إنما هو إلهام وهداية من اللَّه سبحانه لخلقه، وبالجملة فإنه قد يكون من هذا ومما وقع بالتجربة والاتفاق والمصادفة أكثر ما حصلوه من هذه الصناعة، ثم تكاثر ذلك بينهم وعضده القياس بحسب ما شاهدوه، وأدتهم إليه فطرتهم، فاجتمع لهم من جميع تلك الأجزاء التي حصلت لهم بهذه الطرق المتفننة المختلفة أشياء كثيرة، ثم إنهم تأملوا تلك الأشياء واستخرجوا عللها والمناسبات التي بينها، فتحصّل لهم من ذلك قوانين كلية ومبادئ منها يبتدأ بالتعلم والتعليم، وإلى ما أدركوه منها أولًا ينتهي، فعند الكمال يتدرج في التعليم من الكليات إلى الجزئيات، وعند استنباطها يتدرج من الجزئيات إلى الكليات، وأقول أيضًا وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، أنه ليس يلزم أن يكون أول هذا مختصًا بموضع دون موضع، ولا يفرد به قوم دون آخرين إلا بحسب الأكثر والأقل، وبحسب تنوع المداواة، ولهذا فإن كل قوم هم مصطلحون على أدوية يألفونها ويتداوون بها، وأرى أنهم إنما اختلفوا في نسبة صناعة الطب إلى قوم بحسب ما قد كان يتجدد عند قوم فينسب إليهم، فإنه قد يمكن أن تكون صناعة الطب في أمة أو في بقعة من الأرض، فتدثر وتبيد بأسباب سماوية أو أرضية، كالطواعين المفنية والقحوط المجلية، والحروب المبيدة، والملوك المتغلبة، والسير المخالفة، فإذا انقرضت في أمة ونشأت في أمة أخرى، وتطاول الزمان عليها نسي ما تقدم، وصارت الصناعة تنسب إلى الأمة الثانية دون الأولى، ويعتبر أولها بالقياس إليهم فقط، فيقال لها مذ ظهرت كذا وكذا وإنما يعني في الحقيقة مذ ظهرت في هذه الأمة خاصة، وهذا مما لا يبعد فإنه على ما تواترت به الآثار وخصو صًا ما حكاه جالينوس وغيره، أن أبقراط لما رأى صناعة الطب قد كادت أن تبيد، وأنه قد درست معالمها عن آل اسقليبيوس، الذين ابقراط منهم، تداركها بأن أظهرها وبثها في الغرباء، وقواها ونشرها وشهرها بأن أثبتها بالكتب، فلهذا يقال أيضًا على ما ذهب إليه كثير من الناس، أن أبقراط أول من وضع صناعة الطب وأول من دونها وليس الحق، على ما تواترت به الآثار، إلا أنه أول من دونها من آل اسقليبيوس لتعليم كل من يصلح لتعلمها من الناس كافة، ومثله سلك الأطباء من بعده واستمر إلى الآن، واسقليبيوس الأول هو أول من تكلم في شيء من الطب على ما سيأتي ذكره.

عيون الأنباء في طبقات الأطباء - الباب الأول
كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها | كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها:القسم الأول | كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها:القسم الثاني | كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها:القسم الثالث | كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها:القسم الرابع | كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها:القسم الخامس