عبقرية محمد (1941)/عبقرية محمد السياسية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
عبقرية محمد السياسية
المؤلف: عباس العقاد


[59]

عبقرية محمد السياسية


<

  • *

6 سياسة الخصوم والأتباع السياسة على معان كثيرة في العرف الحديث فمنها ما يكون بين بعض الدول وبعض من المراسم والعلاقات ومنها ما يكون بين هذه الدول من معاهدات وخطط في أعمالها الخارجية ، ومنها ما يكون بين الراعي ورعيته ، أو بين الأحزاب والوزارات من برامج ودعوات ، ولكل معني من هذه المعاني اصطلاحه في العرف الحديث ، وأن جمعتها كلمة السياسة في اللغة العربية وقد تولى النبي عليه السلام أعمالا كثيرة مما يطلق عليه لفظ السياسية في عموم مدلوله ولكننا لا نعرف بينها عملا واحدا هو أدخل في أبواب السياسة ، وأجمع لفرو بها ، وأبعد عن المشاركة في صفة القيادة العسكرية أو صفة الوعظ العلني أو سائر الصفات التي اتصف بها عليه السلام من عهد الحديبية في مراحله جميعا ، منذ ابتدا بالدعوة إلى الحج الى أن انتهى بنقض الميثاق (۱) على أيدي قريش ففي عهد الحديبية تجلی (۲) تدبير محمد في سياسة خصومه وسياسة أتباعه ، وفي الاعتماد على السلم والعهد، حيث يحسنان ويصلحان ، والاعتماد على الحرب والقوة حيث لا تحسن المسالمة ولا تصلح العهود بدأ بالدعوة إلى الحج ، فلم يقصره في تلك السنة على المسلمين المصدقين لرسالته بل شمل به كل من أراد الحج من ابناء القبائل العربية التي تشارك المسلمين في تعظيم البيت والسعي اليه ، فجعل له وللعرب أجمعين قضية واحدة في وجه قريش ، ومصلحة واحدة في وجه مصلحتها ، وفصل بذلك بين 0 د و

اه [60]6 € < فها هو دعواها ودعوى القبائل الأخرى ، ثم أفسد على قريش ما تعمدوه من اثارة نخوة (1) العرب وتوجيهها إلى مناواة (۲) محمد والرسالة الإسلامية ، فليس محمد وأصحابه أناسا معزولين عن النخوة العربية يضعون من شأنها ويبطلون مفاخرها ، ولكنهم اذن عرب ينتصر بهم العرب ولا يذلون بانتصارهم ، أو يقطعون ما بينهم و بين آبائهم وأجدادهم ، فاذا خالفوا قريشا في شيء ، فذلك شأن قريش وحدهم ، أو شأن المنتفعين من قريش بالسيطرة على مكة ، وليس هو بشأن القبائل أجمعين ثم أفسد على قريش من جهة أخرى ما تعمدوه من اغضاب العرب على الاسلام ، بما ادعوا من قطعه للأرزاق ، وتهديده للأسواق التي يعمرها الحاج ويستفيد منها النادون (۳) الى مكة والرائحون (4) منها محمد نفسه يأخذ معه المسلمين إلى مكة كما يأخذ معه من شاء مصاحبته من غير المسلمين قصاد البيت الحرام ، فاذا حال بينهم حائل و بين ما يقصدون اليه ، فتلك جنايته وذلك وزره على نفسه وعلى قومه .. ولا وزر فيما أصاب الأرزاق أو أصاب الأسواق على المسلمين وقد سمعنا كثيرا في العصور الحديثة عن المقاومة السلبية أو المقاومة التي تجتنب العنف ولا تعتمد على غير وجه الحق والحجة سمعنا بها في الحركة الهندية التي قام على راسها غاندي و تابعه فيها بعض مرید یه ، حتى كان لها من الأثر في ازعاج الحكومة البريطانية ما لم يكن للقنابل ولا للمشاغبات الدامية وقيل يومئذ ، ان غاندي قد تتلمذه في هذه الحركة على المصلح الروسي الكبير ليون تولستوي .. وقيل ، بل هو أحرى أن يعرفها من آداب البرهميين والبوذيين التي تحرم ايذاء الحيوان فضلا عن الانسان ، قبل أن يشرع ليون تولستوي مذهبه الجديده والذين قالوا بهذا الرأي الأخير استبعدوا أن يتفق المسلمون والبرهميون والبوذيون على حركة غاندي و تبشيره بتلك المقاومة السلبية ، لاعتقادهم أن الاسلام قد شرع للقتال فلا يوائم (5) [61]المسلمين ما يوائم البوذيين والبرهميين ، من اجتناب القوة والتزام السلم وترك المقاومة . لكن المثل الذي قدمه النبي صلوات الله عليه في رحلة الحديبية ينقض ما توهموه ، ويبين لهم أن الإسلام قد أخذه من كل وسيلة من وسائل نشر الدعوة بنصيب يجري في حينه مع مناسباته واسبابه فلا هو پر کن الى السيف وحده ولا الى السلم وحده ، بل يضع كليهما حيث يوضع ، ويدفع بكليهما حيث ينبغي أن يدفع ، وهو الحكم المتصرف حيث يختار ما يختار ، وليس الآلة التي يسوقها السلم أو الحرب مساق الاضطرار . + + + و وقد خرج النبي الى مكة في رحلة الحديبية حاجا لا غازیا . يقول ذلك ويكرره ويقيم الشواهد عليه لمن سأله ، ويثبت نية السلم بالتجرد من السلاح ، الا ما يؤذن به لغير المقاتلين فلم يفصل بهذه الخطة بين العرب و قريش وحسب .. بل فصل بين قريش ومن معهم من الأحابيش ، وجعل الزعماء وذوي الرأي يختلفون فيما بينهم على ما يسلكون من مسالك في دفعه أو قبوله أو مهادنته (۱) ، وهو عليه السلام يكرر الوصاة لأتباعه بالمسالمة والصبر منعا للاتفاق بين خصومه على قرار واحد ، وقل من أتباعه من أدرك قصیده و مرماه حتى الصفوة المختارين ولما اتفق الطرفان - المسلمون وقريش م على التعاهد والتهادن ، كانت سياسة النبي في قبول الشروط التي طلبتها قريش غاية في الحكمة والقدرة « الدبلوماسية ، كما تسمى في اصطلاح الساسة المحدثين دعا بعلي بن أبي طالب فقال له : « بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو مندوب قريش : « أمسك (۲) ! لا أعرف الرحمن الرحيم ، بل اكتب باسمك اللهم : فقال النبي : « أكتب باسمك اللهم ثم قال : « اكتب ( هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهیل ابن عمرو ) » & . . ا- مصالحته ام امسك عن الكلام : مسكت 11 [62]و فقال سهيل : « أمسك ! لو شهدت انك رسول الله لم أقاتلك ، ولكن أكتب اسمك واسم أبيك » وروي أن عليا تردد فمسح النبي ما كتب بيده ، ، وأمره أن بكتب د محمد بن عبد الله في موضع محمد رسول الله » • ثم تعاهدوا على أن من أتی محمدا من قريش بغير اذن وليه رده عليهم ، ومن جاء قريشا من رجال محمد لم پر دوه عليه وأنه من أحب من العرب محالفة محمد فلا جناح (۱) علیه ومن أحب محالفة (۲) قريش فلا جناح عليه ، وان يرجع محمد واصحابه عن مكة عامهم هذا على ان يعودوا اليها في العام الذي يليه ، ويقيموا بها ثلاثة ايام ومعهم من السلاح السيوف في قربها ، ولا سلاح غيرها 6 « ولو كان عهد الحديبية هذا قد كتب بعد قتال انهزم فيه المشركون وانتصر فيه المسلمون ، لوجب أن يكتب على غير هذا الأسلوب فيعترف المشركون كرها أو طوعا بصفة النبوة ولا يردون أحدا من مواليهم أو قاصريهم يذهب الى النبي ويلحق بالمسلمين ولكنه عهد مهادنة أو عهد و ايقاف أعمال العداء الى حين » كما يسمونه في اصطلاح العصر الحاضر يعوزه (۳) شيء من الأصول المرعية في أمثال هذه العهود ، من اثبات صفة المندوبين التي لا ارغام فيها لأحد الطرفين ولا مخالفة الدعوى الفريقين ، ومن حفظ كل لحقه في تجديد دعواه واستئناف مسعاه . فلو أن النبي عليه السلام شرط على قريش أن ترد اليه من يقصدها من رجاله لنقض بذلك دعوى الهداية الاسلامية و نقض الوصف الذي يصف به المسلمين فان المسلم الذي يترك النبي باختياره ليلحق قر یشا ليس بمسلم ، ولكنه مشرك يشبه قريشا في دينها و هي أولى به من نبي الاسلام أما المسلم الذي يرد على المشركين مكرما فانما الصلة بينه و بين النبي الاسلام ، وهو شيء لا سلطان عليه للمشركين ولا تنقطع الصلة فيه بالبعد والقرب فان كان الرجل ضعيف 6 ا- جناح : اثم 2- الدخول في عهدهم ۳ - فلا يفتقر الى شيء [63]هي ها تا الدين ففتنوه عن دينه فلا خير فيه ، وان كان وثيق (۱) الدين فبقي على دينه فلا خسارة على المسلمين . وما انقضت فترة وجيزة حتى علمت قريش أنها الخاسرة بذلك الشرط الذي حسبته غنما (۲) لها وخذلا تا لمحمد صلوات الله عليه فان المسلمين الذين نفروا من قريش ولم يقبلهم محمد في حوزته رعاية لعهده ، قد خرجوا الى طريق القوافل يأخذونها على تجارة قريشو هي أمان في عهد الهدنة بين الطرفين فلا استطاع المشركون أن يشكوهم إلى النبي لأنهم خارجون من ولايته بحكم الهدنة ، ولا استطاعوا أن يحجزو هم في مكة كما أرادوا أملوا شروطهم في عهد الحديبية ، ولو قضي العهد بولاية النبي على من ينفر من مسلمي مكة لجاز للمشركين أن ينقضوه أو يطالبوا النبي بالمحافظة عليه

وتم العهد بعد قليل فعرف من لم يعرف ما أفاء (۳) على الاسلام فجهر بمحالفة النبي من لم يكن يجهر بولائه واستراح النبي من قريش ، ففرغ ليهود خيبر والمسالك الأجنبية پر سل الرسل الى عظمائها بالدعوة الى دينه ، وفتح الأبواب لمن يفدون اليه ممن أنكروا بغي قريش وأمنوا أن تكون نصرتهم للاسلام حربا يبتلون فيها بما لا يطيقون و بوم نزلت الآية الكريمة على أثر اتفاق الحديبية : « آنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما» (4) لم يفقه الكثيرون معناها في حينها ، ولم يتبينوا موضع الفتح من ذلك الاتفاق الذي حسبيه محض (5) تسليم ولكنهم فهموا أي فتح هو بعده سنتين ، وعلموا أن من الفتوح ما يكون بغير السيف ، وما يشبه الهزيمة في ظاهره عند من يتعجلون، ولا يحسنون النظر الى بعید 4 و يتم الفتح المبين كان في تلك السنة فتح ، يراه الناظر بعين الغيب ، ولا يراه < ا- قوي - كسها ۶ های رجع وعاد 4 - الآية :2،۱ من سورة الفتح و - خالم \r [64]بغير العيون الناظر بعينه ولكنها سنة واحدة ثم رأي الفتح المبين من لا يرون راوه وامتلأت عيونهم بالنظر اليه ، فسر قوما وساء آخرين ففي السنة التالية نادي الرسول أصحابه أن يتجهزوا للحج ولا يتخلف أحد ممن شهده الحديبية ، فخرجوا في شرق المنطلق بعد منع ، والمنتظر بعد صبر ، الا من استشهد في خيبر وادر کته الوفاة خلال العام ، وخرج معهم جمع كبير ممن لم يشهدوا النساء والأطفال، وساقوا أمامهم ستين بدنة (۱) مقلدات (۲) للهدى ، وقد حملوا السلاح والدروع والرماح وعلى رأسهم مائة فارس يقودهم محمد بن سلمة الحديبية يتبعهم

  • * *

h فلما انتهى الرسول و صحبه الى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه، وعلمت قريش بالنبأ ، ففزعوا و بعثوا بمکرز بن حفص في نفر منهم ، فجاءوا يقولون : « والله يا محمد ما عرفت مغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت عليهم الا تدخل الا بسلاح المسافر : السيوف في القرب ؟» فقال عليه السلام : « أني لا أدخل عليهم بسلاح ه قال مکرز :« هو الذي تعرف به : البر والوفاء » وانما حمل النبي السلاح للحيطة كما قال لصحبه : « آن ماجنا (۳) هائج من القوم كان السلاح قريبا منا» .. وتر که في الحراسة على مقربة من مكة حيث يوصل اليه عند الحاجة اليه ثم أقبل عليه السلام على ناقته القصواء وجموع المسلمين محدقون به متوشحون بالسيوف يلبون ويهللون ، وأخذ معبد ابن رواحة بزمام القصواء وهو ينشد : خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله یا رب اني مؤمن بقيله اني رأيت الحق في قبوله وأوشك وقد هزته النخوة أن يصيح في قريش صيحة الحرب، فنهاه عمر رضي الله عنه وأمر النبي أن ينادي ولا يزيد : لا اله الا الله وحده ، نصر عبده ، وأعز جنده ، ،وخلال الأحزاب < ا- باقة او بقرة سمينة 2- تقليد البينة : ان يعلق في عنقها شيء لبعلم الها هدي ۳- المراد : افارقا . ۱( [65]وحله » ، فرفع ابن رواحة بها صوته الجهير ، وتلاه المسلمون يرددونها و تهتز بها جنبات الوادي القريب ، فيسمعها من فارقوا مكة لكيلا يسمعو ها ولا يروا ركب النبي يخطو في نواحيها

  • * *

6

6 وكان الفتح الذي بصر به عيانا من لم يره يوم الحديبية بنور البصيرة ، وأسلم من الضعفاء والأقوياء من كان عميا على الاسلام : فريق منهم بهر هم وفاء النبي بعهده مع استطاعة نقضه وفريق منهم راعهم سمت (۱) الدين ورحتم الاسلام فيما بين المسلمين ، وجمال ما بينهم وبين نبيهم من طاعة وتمكين ، وفريق منهم علموا أن العاقبة للاسلام فجنحوا (۲) الى طريق السلامة والسلام ، وحسبك (۳) أن عمرة القضاء هذه قد جمعت في آثارها من أسباب الاقناع بالدعوة المحمدية ما أقنع خالد بن الوليد و عمرو بن العاص ، وهما في رجاحة الخلق والعقل مثلان متكافئان ، وان كانا لا يتشابهان وهكذا تجلت عبقرية محمد في سياسة الأمور ، كما تجلت في قيادة الجيوش ، فكان على أحسن نجاح في سياسته از نادی بعزيمة الحج وهو لم يفتح مكة بعدده وعدته ، واذ دعا المسلمين وغير المسلمين الى مصاحبته في رحلته ، واذ توخي (4) ما توخی من طريقة المسالمة واقامة الحجة في انفاذ عزيمته ، وان قبل العهد الذي كبر قبوله على أقرب المقربين من عترته (5) ، واذ نظر الى عقباه ، ووصل به الى القصد الذي توخاه ها ه أ- السمن : الطريق - مالوا ۳ - يكنيك 4- تحرى وقصد و عترة الرجل : السله ورهطه الاملون • ما