عبقرية محمد (1941)/البليغ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
البليغ
المؤلف: عباس العقاد


[71]

البليغ


«اللهم هل بلغت» ! هنه اللازمة (۱) التي رددهسا النبي في الطول خطبه الأخيرة ، وهي خطبة الوداع - وهي لازمة عظيمة الدلالة في مقامها ، لأنها لخصت حياة كاملة في ألفاظ معدودات ، فما كانت حياة النبي كلها بعملها و قولها وحركتها وسكونها الا حياة تبليغ و بلاغ، وما كان لها من فاصلة خاتمة أبلغ من قوله عليه السلام وهو يجود بنفسه : و جلال . الرفيع فقد بلغت ! ، ۰ ولصدق هذه الدلالة ترى أن السمة (۲) الغالية على أسلوب النبي في كلامه المحفوظ بين أيدينا هي سمة الابلاغ قبل كل سمة أخرى بل هي السمة الجامعة التي لا سمة غيرها ، لأنها أصل شامل لما تفرق من سمات هي منها بمثابة الفروع • وكلام النبي المحفوظ. بين أيدينا : اما معاهدات ورسائل كتبت في حينها ، واما خطب و أدعية ووصايا وأجوبة عن أسئلة كتبت بعد حينها وروعيت الدقة في المضاهاة بين رواياتها جهد المستطاع والا بلاغ هو السمة المشتركة في أفانين (۳) هذا الكلام جميعا ، حتی ما جرى منه مجرى القصص ، أو مجرى الأوامر الى المرؤوسين ، أو مجرى الدعاء الذي يلقنه المسلم ليدعو الله

انظر مثلا الى قصة أصحاب الغار الثلاثة وترسلهم

بصالح الأعمال وهي كما جاء في مختار مسلم : بينما ثلاثة نفر يتمشون اخذهم المطر فاووا الى غار في جبل ، فانحطت على فم غارهم صخرة من الدبل فانطبقت عليهم ، فقال بعضهم لبعض : انظروا أعمالا علتموها صالحة على مثاله ا [72]ذات وانه ای (۲) بي t 3 لله فادعوا الله تعالى بها ، لعل الله يفرجها عنكم ، فقال أحدهم: اللهم انه كان لي والدان شیخان كبيران ، وامراتي ، ولي صبية صغار أرعى عليهم . فاذا أرحت (۱) عليهم حلبت ، فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل بني الشجر فلم آت حتى أمسيت ، فوجدتهما قد ثاما ، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من تومهما ، وأكره أن أسقي المبية قبلهما والصبية يتضاغون (۳) عند قدمي ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم (4) حتى طلع البنجر فان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ترى منها السماء .. ففرج الله منها فرجة فرأوا منها السماء « وقال الآخر : اللهم انه كانت لي ابنة عم احببتها كأشد ما يحب الرجال النساء ، وطلبت اليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار . فتعته حتى جمعت مائة دينار ، فجئتها بها د فلما وقعت بين رجليها قالت : يا عبد الله ! اتق الله ولا تفتح الخاتم (5) الا بحقه ، فقمت عنها ، فان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة . ففرج لهم « وقال الآخر : اللهم اني كنت استأجرت أجيرا بفرق (1) ارز ، فلما قضى عمله قال : أعطني حقي ، فعرضت عليه فرقة فرغب عنه قلم ازل ازرعه حتى جمعت مثه بقرا ور عامها فقال : اتق الله ولا تظلمني حقي ! قلت : اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها فقال : اتق الله ولا تستهزيء بي لا استهزيء بك . خذ ذلك البقر ورعاءها ! فأخذه وذهب به و فان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ، فافرج النا ما بقي « ففرج الله ما بقي توجيه الأمراء والولاة هذا أسلوبه عليه السلام في التعليم بالقصص فانظر إلى أسلوبه في توجيه الأمراء والولاة كما جاء في مختار مسلم حيث قال : « كان رسول الله أذا أمر أميرا على جيش او ! ! فقلت : اني ا- المراد ، عدت من عملي ليلا ؟ - بعد ۳ - يخرجون من الجوع 4 - حالي ومالهم و كناية عن فض البكارة - اناء يسع ثلاثة اصع ، ۷۲ [73]& t 1 ، فان هم سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا (۱) ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا واذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين ، و أخبرهم أنهم ان فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين فان أبوا (۲) أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء (۳) شيء ، الا ان يجاهدوا المسلمين أبوا فسلهم الجزية ، فان هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فان هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم . « واذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة (4) وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فانكم ان تخفروا (5) ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله « واذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك ، فأنت لا أتصيب حكم الله فيهم أم لا ، ۰ وهذا أسلوبه عليه السلام في تعليم الولاة بالأوامر والوصايا • فانظر الى أسلوبه في الرسائل من رسالته إلى النجاشي حيث قال : سلم انت ، فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهد أن ابن مریم روح الله وكلمته ألقاها الى مريم البتول (1) الطيبة الحصينة (۷) فحملت فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بیده و نفخه و واني أدعوك الى الله وحده لا شريك له ، والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فاني رسول الله « وقد بثت اليك ابن عمي تدري 3 ، الملك عیسی بعیدی جعفرا و نفرا معه من المسلمين ا- تخونوا ۲- رفضوا ۲ - الخسراج والغنيمة - عهد و تلقفوا العهد - المنراء او المنقطعة الى الله عن الدنيا ۷ - العنيفة ، ۷۳ [74]فاذا جاءك فأقرهم ودع (۱) التجبر ۰۰ فاني أدعوك وجنودك إلى الله فقد بلغت و نصیحت فاقبلوا نصحي « والسلام علی من اتبع الهدی ، • المعاهدات والمواثيق أما أسلوبه في المعاهدات والمواثيق : فهذا طرف (۲) مما جاء في كتابه عليه السلام بين المهاجرين والأنصار واليهود •

المهاجرون من قريش على ربعتهم (۳) يتعاقلون بينهم وهم

يفدون عانيتهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين دو بنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم (4) الأول ، وكل طائفة تفدي عانيها بالقسط (2) بين المؤمنين د وينو چشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وهكذا الى آخر الكتاب تلك نماذج من كلام النبي في أربع أبواب مختلفات ، تتفرق موضوعاتها كما تتفرق القصص والأوامر والرسائل والمواثيق ولكنها كلها موسومة بسمة واحدة لا اختلاف فيها ، وهي الابلاغ أو البلاغ المبين ، وأصدق ما يقال في تعريفها ما قيل في تعريف الخط المستقيم عند أهل الهندسة : أقرب موصل بين نقطتين . فليس أقرب من هذا الأسلوب في ابلاغ الغرض منه • لا كلفة ولا غموض ولا اغراب ، وقلة الغريب - بل ندرته - في كلام النبي أجدر (1) الأمور بالملاحظة في اقامة المثل والنماذج الأساليب البلاغة العربية فمحمد العربي القرشي الناشيء في بني العالم بلهجات < i اس ترك 3- جالب او جزء ۳- ربعتهم : امرهم الذي كانوا عليه 4 - المعاقل : الديات و المحل ۹ - أحق واولى . Y4 [75]مراجعة وم 4 القبائل حتى ما تفوته لهجة قبيلة نائية (۱) في أطراف الجزيرة لم يكن في كلامه كله غريب يجهله السامع او يحتاج تبيانه إلى ذلك انه يريد أن يبلغ أو يريد أن يصل الى سامعه ، ولا يريد أن يقيم بينه و بين السامع حاجزا من اللفظ الغريب أو المعنى الغريب ، ومن ذلك ما روي عنه عليه السلام : انه كان يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه ، وأنه كان يبغض التكلف والاغترار بالبلاغة كما قال : « أن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل (۲) بلسانه تخلل الباقرة (۳) بلسانها ، . وقد عرف عن النبي عليه السلام في حياته الخاصة والعامة أنه كان قليل الكلام ، معرضا عن اللغو ، لا يقول الا الحق وان قاله في مزاح . فمن ثم لا عجب أن يخلو كلامه من الحشو والتكرار والزيادة ، فاذا كرر اللفظ بعينه كما جاء في بعض المعاهدات فذلك أسلوب المعاهدات الذي لا محيص عنه ، لأن تكرار النم يمنع التأويل عند اختلافه ، فهو أيضا سمة من سمات الابلاغ على سبيل التوكيد والتحقيق ، أو على سبيل الإعادة التي روي أنه كان يتوخاها عليه السلام أحيانا ليعقل عنه كلامه وفي كتابه الى النجاشي زیادة من أسماء الله الحسنى ومن الاشارة الى المسيح وأمه لم تؤثر في الكتب الأخرى ، ولكنها ألزم ما يلزم في خطاب ملك مسيحي يراد منه أن يفهم كيف تتفق صفات الله والمسيح في دينه وفي دين المسلمين الذي يدعى اليه ، وكيف يبتني طريق المقابلة بين العقيدتين اذا شاء ما على الرسول الا البلاغ وهذا البلاغ في التعبير : كل كلمة تصل إلى سامعها ، وكل كلمة مقصودة بمقدار ولا زخرف ولا حيلة ولا مشقة متعمل (4) في ابتغاء التأثير ، الا الابلاغ الذي يليق بالرجولة والكرامة ، و على المعرض بعد ذلك وزر الأعراض سجع كحلية الذهب وكان عليه السلام يكره « سجع الكهان » الذي يخدعون به 6 5 - هو اس بعيدة ؟ - فله شق الساله ۳ - الباقر : المسنجر في العلم و المراد ، متكلفه Yo [76]6 6 السامع ليوهموه أنه يستمع إلى طلاسم السحرة والشياطين ولكنه لم يكن يأبی (۱) السجع بتة ولا يخلو كلامه من سجع يأتي على السجية (۲) ، ويغلب أن يكون ذلك فيما يرتل (۳) علانية کالأذان وما هو في حكمه ، أو فيما يحفظ من الوصايا الجامعة كقوله : « ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ ما كان من شرطه ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط قضاء الله حق ، وشرط. الله أوثق ، وانما الولاء لمن أعتق » أو قوله :

« ان الله حرم علیکم عقوق الأمهات ووأد البنات ، ومنعا

وهات ، وكره لكم قیل و قال ، وكثرة السؤال ، واضاعة المال » • ومذهبه في هذه الحلية اللطيفة مذهبه في كل حلية تليق بالرجل : فحولة (2) في القول وفحولة في الزينة ، فسجيه عليه السلام كحلية الذهب التي يليق بالرجل أن يتحلى بها ، ولا مزيد كتب اليه أبو سفيان كتابا يقول في آخره: «۰۰۰ نريد منك نصف نخل المدينة ، فان أجبتنا الى ذلك والا أبشر بخراب الديار وقلع الآثار : تجاوبت القبائل من نزار النصر اللات في البيت الحرام وأقبلت الضراغم (2) من قريش على خیل ممسومة (6) ضرام (۷) فأجابه بكتاب جاء فيه : « وصل كتاب أهل الشرك والنفاق ، والكفر والشقاق ، وفهمت مقالتكم ، فوالله ما لكم عندي جواب الا أطراف الرماح وأشفار الصفاح (۸) ، فارجعوا ويلكم عن عبادة الأصنام، وأبشروا بضرب الحسام (۹)، و بفلق الهام (۱۰) وخراب الديار ، وقلع الآثار فهذا السجع في هذا المقام أصلح لخطاب الجاهليين ، لأنهم يعرفون منه معنی التوثيق والتمكين ، كما يعرفون منه معنی المناجزة والتخويف . ومن هنا أقر النبي نص الحلف الذي كان بين جده وخزاعة على ما كان به من سجع وتفخيم يجعلونهما موثقا تعقد به المواثيق وتؤکد به الحرمات 6 6 وهذا نصه : ا- يرفض ۴- اي دون تكلف ۲ - الترتيل ، الترسل والتبيين - المراد ، رجولة و الاسود ۲- معلمة - اي تشعل نار الحرب ۸ - المقصود ، حدود السيوف ۹. السيف ولا - الرؤوس " V ۷ [77]4 94 و باسمك اللهم ، هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة حلفا جامعا غير مفرق : الأشياخ على الأشياخ ، والأصاغر علی الاصاغر ، والشاهد على الغائب : قد تعاهدوا وتعاقدوا أو کد عهد ، وأوثق عقد ، لا ينقضن ولا ينكث ما أشرقت شمس على شبیر (۱) ، وحن بفلاة بعير ، وما أقام الأخشبان (۲) واعتمر بمكة انسان : حلف أبد لطول أمد ، يؤيده طلوع الشمس شدا ، وظلام الليل مدا ، وأن عبد المطلب وولده ومن معهم ورجال خزاعة متكافئون متضافرون متعاونون على عبد المطلب النصرة لهم بمن تابعه على طالب ، وعلى خزاعة سرة لعبد المطلب وولده ومن معه على جميع العرب في شرق أو غرب، أو حزن أو سهل ، و جعلوا الله على ذلك كفيلا، و کفی به حميلا هذه أمثلة السبع الذي فاه (۳) به الرسول أو أقره من كلام غيره، وما أه من تجميل الكلام فهو تجميل الابلاغ الذي لا كلفة فيه وقد أعانه عليه السلام على أسلوب الابلاغ أن الذين كانوا يستمعون اليه انما كانوا يستمعون الى كلام نبي محبوب مطاع، فهو نافذ في نفوسهم بغير حيلة، مستجمع لأسماعهم بنير تشویق ، قائم بالكفاية الوسطى التي لا حاجة بها الى افراط ولا خوف عليها من تفريط أما رسائله الى الملوك والأمراء - ممن لم يسلم ولم يهتد - فانما كانت للابلاغ أول الأمر ، ثم يأتي بعدها التفسير والتفصيل على السنة المرشدين والموكا بالاجابة يسألونه عنه ، كذلك قائمة على كفاية الا بلاغ، تلك الكفاية الوسطى التي لا افراط فيها ولا تفريط ونقول أن الأمرين أعانا النبي على أسلوبه المبلغ البليغ، ولا نقول انهما أنشأه و اوحياه فان الحوار القليل الذي حفظه لنا من أيام الدعوة الأولى قبل استفاضة (4) الدين واقبال الأتباع و قد كانت له صبغة هذا الأسلوب بعينه غير ظاهر فيها أثر من الكلفة والاصطناع.. لأن مصدر الفحولة في الابلاغ ثقته ، فهي المؤمنين ا- جبل بمكة - جبلا مكة ۳ - تكلم به شيوعد وانتشاره ۷ [78]< بقوله لا ثقة المستمعين اليه ، فكلامه كله نسق (۱) واحد في هذه الخصلة ، وخطابه كله خطاب سهولة وكرامة ، وسياقه كله مطواع لا أحتيال فيه، ووصاته لمن يقتدي به : أن يقصر الخطبة، ويقل الكلام كما كان يقول لمن يبعث بهم من الولاة ولا يفهمن من هذا أن مقتضيات الكلام لم يكن لها أثر في اختلاف الوضع أو اختلاف الموقف وهو يخاطب الناس ، فقد كان عليه السلام يلاحظ هذا الاختلاف ، و يعطيه حقه ، كما كان يفعل حين يتكيء على قوس وهو يخطب في الحرب، أو يتكيء على عصا وهو يخطب في العظات . و كان يبدو على وجهه ما يختلج بصدره اذا غضب أو أنذر « فكان اذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جیش : صبحكم مساكم R - أسلوب عصري ولمن شاء أن يحسب أسلوب النبي - كتابا وخطابا - أسلوبا عصريا يقتدي به المعاصرون في زماننا هذا وفي كل زمان .. لأن الأسلوب الذي يخرج من الفطرة المستقيمة هو أسلوب عصري في جميع العصور ، و يخطيء من يحسب الوصل بين الجمل شرطا للكلام العربي القديم والفصل بينها علامة من علامات الأساليب المبتدعة (۲) في الزمن الأخير " و يخطيء كذلك من يحسب قبول الاشارات الترقيم (۳) علامة أخرى من علامات هذه الأساليب فاليك الحديث الذي نقلناه آنفا و مو مثل من أمثلة كثار ، حيث يقول عليه السلام : « ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ ما كان من شرط. ليس في كتاب الله فهو باطل ، وان كان مائة شرط : قضاء الله حق ، وشرط الله أوثق ، وانما الولاء لمن أعتق هذا الحديث رضي البلاغة العربية في وصله وفصله ، ورضی الأسلوب المصري في اشارات ترقيمه ، و آية على خطأ الذين يفر قون بين شروط البلاغة العربية ذلك النحو من التفريق الكلام « < ا- ترتيب ونظام ؟- المستحدثة ۳ - العلامات التي توضع بين الجمل او في نهايتها الفاصلة ، وعلامة الاستفهام والتعجب ۲۰۰ الخ . ۷۸ [79]6 رأي النبي في الشعر وقد نقلت الينا تعقيبات معدودة عن رأي النبي في الشعر والشعراء لا تدخل في النقد الفني ، وتدخل في كلام الأنبياء الذين يقيسون الكلام بقياس الخير والصلاح و المطابقة الشعائر الدین و سنن الصدق والفضيلة . و منها قوله : « اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : « ألا كل شيء ما خلا الله باطل »، ، وقوله عن امریء القيس ، أنه صاحب لواء الشعراء الى النار ، وأنه كان يتمثل بشطرات من أبيات يبدل وزنها كلما أمكن تبديله مع بقاء المعنى المقصود ، فكان يقول مثلا : « ويأتيك بالأخبار من لم تزود » لأنها لا تقبل التبديل مع بقاء المعنى ، ولكنه اذا نطق بقول سحيم عبد بني الحسحاس : «كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا ، قدم كلمة الاسلام فقال : « كفي الاسلام والشيب للمرء ناهيا » لينفي ما استطاع أنه شاعر ينظم القصيد ، و أن سور القرآن قصائد مرتلات كما المشركون » • وقد استحسن ما قيل من الشعر في النصح (۱) عن الاسلام والذود (۲) عنه وعن آله ، فكانت آراؤه هذه وشبيهاتها آراء الأنبياء فيما يحملون من كلام ، لأنهم قد بعثوا لتعليم الناس دروس الخير والصلاح ، ولم يبعثوا ليلقنوهم دروسهم في قواعد النقد والانشاء $ زعم .

المعاني جوامع الكلم الا ان الابلاغ أقوى الا بلاغ في كلام النبي هو : اجتماع الكبار في الكلمات القصار ، بل اجتماع العلوم الوافية في بضع كلمات ، وقد يبسطها الشارحون في مجلدات ومن أمثلة ذلك : علم السلوك في الدنيا والدين وقد جمعه كله في أقل من سطرين قصيرين من قوله : « احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا » • ومن أمثلته : علم السيامية الذي اجتمع كله في قوله : « كما تكونوا يول عليكم

< ا- نفح البيت ، رشه بالماء 2 - الدفاع و ۷۹ [80]t فأي قاعدة من القواعد الاصيلة في سياسة الأمم لا تنطوي بين هذه الكلمات ؟ ينطوي فيها : أن الأمم مسئولة عن حكوماتها ، لا يعفيها من تبعة (۱) ما تصنع تلك الحكومات عذر بالجهل او عذر بالاكراه ، لأن الجهل جهلها الذي تعاقب عليه ، والاكراه ضعفها الذي تلقی جزاءه . وينطوي فيها أن العبرة بأخلاق الأمة ، لا بالتظ والاشكال التي تعلنها الحكومة ، فلا سبيل إلى الاستبداد بأمة تعاف (۲) الاستبداد ولو لم يتقيد، فيها الحاكم بقيود القوانين ولا سبيل إلى حرية أمة تجهل الحرية ولو تقيد فيها الحاكم بألف قيد من النظم والاشكال وينطوي فيها : أن الولاية تبع تابع وليست بأصل اصیل ، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، و أحرى ألا يغير الوالي قوما حتى يتغيروا هم قبل ذلك و ينطوي فيها : « أن الأمة مصدر السلطات » على حد تعبير الحديث ، وينطوي فيها : أن الأمة تستحق الحكم الذي تصبر عليه ولو لم يكن حكم صلاح واستقلال وذلك هو الابلاغ الذي ينفذ في وجهاته كل نفاذ ويلحق بهذا في العلم بالتبعات قوله عليه السلام الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل » فالمزايا الانسانية واجبات وأعباء ، وليست بالمتع والأزيام ، وعلم الانسان بالخير والشر يفرض عليه الفرائض التي يبتلي بها ، ولا يهنئه بالراحة التي يصبو اليها ، وهو محسوب عليه وكذلك ذكاؤه محسوب عليه . وأمثال هذه الأحاديث في أصول السياسة والاخلاق والاجتماع ما لا يتناوله الاحصاء في هذا . كان محمد فصيح اللغة فصيح اللسان فصيح الأداء وكان بليغا مبلغا على اساس (۳) ما تكون بلاغة الكرامة والكفاية ، وكان بلسانه وفؤاده من المرسلين ، بل قدوة المرسلين - و أشد 6 المقام ا- مسئولية 2- تكره ۳ - السلس ، السهل و ۸۰