أخذت خديجة ترعى زوجها فى هذه الآونه الدقيقة من حياته ، فتذهب بنفسها فى الغار لتطمئن عليه . وترسل اليه رسلها اذا طال مقامه فيه . واذا عاد اليها حاولت جاهدة أن تعيد اليه هدوء نفسه ، وكلما زادت مخاوفه ، زاد اشفاقها عليه . ألم يكن يقوم فى الليل فيرهف أذنه وقلبه ؟ وتثور به التأملات فينحدر من الغار ضارباً فى الصحراء ثم يعود الى خلوته ؟ ألم يقل لها إنه يخاف على نفسه عبث الجن به ؟ ولكن خديجة وهى الجلدة العاقلة لم تفرق لذلك ، ولم تجزع ، ولم تنثن يوما عن تبديد مخاوفه .
وبينا هو يتحنث فى حراء الليالى ذوات العدد، إذا به يرى فى نومه الرؤيا الصادقة تنبلج كفلق الصبح ، فتبدد ظلمات الأباطيل والأوهام .
وطال مقام محمد بغار حراء مرة ، فأرسلت اليه خديجة رسلها يبحثون عنه ، فيه وفى الشعاب المؤدية اليه فلم يجدوه فقلقت عليه ، وخافت أن يكون قد مسه أذى .
ثم جاءها مرتاعاً هلعاً وهو يقول : زمّلوني . زمّلوني . فزمّلوه ، حتى اذا ذهب عنه الروع . قالت له : يا أبا القاسم
— ٣٩ —