حراء. يقف بعزلة عما حوله من نجاد وجبال، ويشبه فى استقامته البرج المنطلق فى السماء . واهتدى في أعلاه الى غار بنجوة من العيون ، يصلح لما يريد من الانقطاع والتحنث ، لا يتسع لغير فرد واحد ينام فيه . ولا يصل المرء اليه الا بالمرور بين صخرتين تكادان تلتصقان . وهو محجوب عما حوله ، بصخور ضخمة لا يتسرب منها النور الى أبعد من فوهته ، فأما وراء الفوهة فظلام دامس لا تهتك العين حجابه .
كان محمد يلجأ الى هذا الغار المنعزل كلما أقبل شهر رمضان، وخديجة تهيىء له ما يلزمه من الزاد ، فيسير به وحيداً منفرداً، مخترقاً طرق مكة من الجنوب حيث تقوم داره ، الى الشمال حتى يبلغ الجبل، فيصعد فيه الى قمته ، فيجلس عندها وقد أخذ منه الجهد كل مأخذ ، فيجد الخدود وقد تجمعت فيها مياه المطر ، وبالقرب منها الغار الذى يأوى اليه اذا أجنه الليل .
هنالك أخذ محمد يطالع الحياة وتطالعه ويسرح طرفه فى أرجاء الوجود ، ويتأمل بعين قلبه ما فى الكون من آيات، فيسمو بنفسه ، وتصفو روحه ، لا تشوبها شائبة من شهوات الدنيا ، ولا يفسدها عليه شىء من متاعها ولا من زخرفها .
— ٣٧ —