صفحة:معاوية بن أبي سفيان.pdf/88

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لم تدقّق هذه الصفحة
خليقة أموية

وشيل معاوية نفة، وسائله عمرو بن العاص: والله ما أدري يا أمير المؤمنين، أشجاء أنت أم جبان؟ فقال: شجاع إذا ما أمكنتني فرصة فإن لم تكن لي فرصة فجبان ولم يؤثر لمعاوية موقف واحد يحسب من مواقف الشجاعة البيئة، بل حسب عليه أنه كان يأوي إلى قبة يحيط بها الحراس في معارك صفين، وأنه أسرع إلى فرسه في ليلة الهرير لينجو بحياته، ثم هدأ الخطر بعض الشيء، فراجع نفسه وتراجع إلى مكانه وهو آمن من عاقبة هذه الرجعة، بعد أن خفت الهجمة على موضعه من ميدان القتال. وليس من أخبار بني أمية في الجاهلية وصدر الإسلام خبر واحد ينفي عنهم د هذه الخليقة الغالية عليهم جميعا من الأثرة، والكلف بالمناعم الدنيوية، وتقديمها على غيرها من مناقب الإيثار والمثل العليا. وبهذه الخليقة يفسر كل عمل من أعمال معاوية على انفراده بينهم بصفات من الحزم لم يشتهروا جميعا بمثلها، وهو مع حزمة «الدنيوي» هذا لم يصطدم بالخليقة الأموية إلا وهن منه الحزم في هذا المصطدم، فكان من الحزم ألا يتوسع في أبهة الملك أو أبهة «الهرقلية والكسروية»، كما كان المسلمون يسمونها في صدر الإسلام، ولكنه لم يكد يملك حتى صنع ما يصنع القياصرة والأكاسرة من اقتناء الخصيان والجواري، والتوسع في بذخ القصور والقدور، وكان من الحزم أن يروض يزيد على كبح الشهوات، فلم يكد أمرأة في عصمة رجل حتى أحتال حيلته لإمتاعه بما اشتهى، وإن التهازين من مؤرخي العصر القديم ليفسرون صلاته الجامعة في المقاصير بخوفه من الغيلة بعد مؤامرة الثلاثة التي قتل فيها علي رضوان الله عليه، ولكن صح هذا لما نفي عنه تلك الخليقة الأموية التي تلوذ بالحيطة، حيث لا يلوذ بها المبرأون منها، فقد قتل عمر وعلي ولم يلجأ الحسن أو الحسين إلى المقاصير أو إلى الحرس الميسر لهما وهو غير قليل، وقد كانت أبهة المواكب من دأب معاوية، إذ كان على ولاية الشام من قبل الفاروق، فلما رآه الفاروق في موكبه أعرض عنه، ثم عنفه وسأله عن اتخاذ المواكب يسمع أنه أشتهي

بعد

۱۷ المقاصير: جمع مقصورة وهي غرفة من غرف الدار، ومن المسجد مقام الإمام، وغرفة صغيرة مرتفعة.

87