صفحة:معاوية بن أبي سفيان.pdf/81

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لم تدقّق هذه الصفحة
معاوية بن أبي سفيان

ولا ننسى أن بني أمية عشيرة عربية كبيرة قد تتميز بخلائقها الأموية، ولكنها لا تنفصل عن المجتمع العربي، ولا تشذ عن عرفه التقليدي الذي ترعاه جميع العشائر الكبرى ولو من قبيل المحافظة على المراسم والأشكال، ومن تقاليد هذا العرف أن تروض بيوت الرئاسة أبناءها على نظام كالنظام العسكري، في صباهم وبعد بلوغهم مبلغ الشباب الذي يندب للقتال أو لتصريف الأمور، وسواء اختاروا البادية لتدريب الأبناء على هذه الرياضة، أو عهدوا بها إلى المربين في المدن والدور، فلا ينشأ الناشئ منهم إلا على رياضة من هاتين الرياضتين، وكذلك فعل عبد العزيز بن مروان في تربية أبنه عمر، فاختار له المؤدب الذي يثقفه ويأخذه بفرائض دينه ودنياه، ولما بلغه من هذا المؤدب صالح بن كيسان - أن الفتى الصغير يتأخر عن موعد الصلاة لاشتغاله بترجيل شعره أرسل إليه من قبله رسولا خاصا، فأمره ألا يكلمه حتى يقص شعره ويبلغه غضب أبيه، ولا تحسب أن أحدا من رؤساء البيت غفل عن مثل هذه الرياضة في تنشئة بنية، ولكنها رياضة تنتهي إلى القدوة البيتية، فلا يبقى لها من أثر أو لا يبقى لها إلا الأثر الضعيف، وكان عبد العزيز يعاقب عمر ذلك العقاب، وهو ينزع في الترف منزئا لا يستطيع أبنه وإن أسرف - أن يذهب إلى مدى أبعد من مداه، فاقتني الدور في مصر وجملها بالأثاث الفاخر، وجعل يهديها إلى أبنائه وذويه، واشترى أرض حلوان بعشرة آلاف دينار، ليقيم عليها قصره المنيف الذي موه جدرانه بالذهب، وأنفق على فراشه وأثاثه عشرات الألوفي، وكان له كل يوم ألف جفئة للقرى بدار الضيفان، وكانت أيامه كلها كأنها أيام أعياد كما جاء في معجم البلدان كأنه عيد أضحى عند عبد العزيز أو يوم فطر وله ألف جفنة مترعات كل يمها قدر كل يوم وشهد هذا البذخ كله عمر وتقلب بين أعطافه، فلولا عرق من الفاروق أدركه، لما تحول من هذا البذخ إلى النسك الذي ضارع به أزهد الخلفاء الراشدين وليس عبد العزيز بالمثل الذي يقال عنه: إنه «نموذج» للخليقة الأموية في الكلف بالنعمة الدنيوية، والعجب بالزينة والشارة وبالقسامة والوسامة، بل على هذا لا الشارة الهيئة واللباس الحسن

  • القسامة: الجمال والوسامة.
80