صفحة:معاوية بن أبي سفيان.pdf/32

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لم تدقّق هذه الصفحة


الدهاء


إذا تحدث الراوية العربي عن صفة من الصفات العامة بلغ بها حد الاستقصاء، فأثبت في روايته كل ما يقع عليه الحس من أخبار تلك الصفة، وذكر لنا الأعلام املشهورين بها، والحوادث التي دلت عليها، والأقوال التي قالوها أو قيلت عنهم بصددها، والفوارق التي يختلفون بها فيما بينهم، والألقاب التي أطلقت عليهم من جرائها، ولم يتركوا مرجعًا من مراجع الدراسة التي يحتاج إليها الباحث العصري في استقصائه الحديث بعد استقصائهم القديم، إلا تحليل الصفات على حسب عواملها النفسية ،فإنه باب لم يطرقوه ولم يطرقه أحد غريهم من الأقدمني في الأمم ،وعذرهم في ذلك واضح لا تلزمهم بعده حجة :عذرهم أن التحليل النفسي كله دراسة حديثة تركبت على دراسات علمية ،أو فكرية أخرى لم يكن للأقدمني عهد بها إلى ما قبل بضعة قرون.

كذلك تحدث لنا الراوية العربي عن شجعان العرب ،وفرسان العرب ،وأجواد العرب، وصعاليك العرب ،ودهاة العرب في الإسلام ،ودهاة العرب في الجاهلية ،وكل ذوي الشهرة في صفة من الصفات العامة التي تتعلق بها الروايات ،وتتناقل بها الأخبار.

ويبدو لنا — ونحن نقرأ كلامهم عن دهاة العرب — أنهم كانوا »مولعني« بتلك الصفة خاصة ،يتحدثون بها ويستطيبون حديثها ويتزيدون فيه كلما استطاعوا ،كأنهم يجاوزون بالدهاء حد الإعجاب إلى حد التمني والعطف واملشاركة في الشعور، وعذرهم في هذا أيضا واضح من تاريخهم وتواريخ منازعاتهم ومصالحاتهم ،فإنهم كانوا يتفقدون فيها الدهاء جميعً ا فيجدونه حينًا ولا يجدونه حينًا آخر ،ولكنهم كانوا يجدون الشجاعة والفروسية في كل حين.

وسبب آخر من أسباب الولع بالحديث عن الدهاء أنه أصبح كف ًؤا للشجاعة ،أو راجحً ا عليها في موازين الصفات الاجتماعية ،فإذا عيب رجل من رجالهم بقلة الشجاعة؛ وجد