— ٥٨ —
وبعبارة أخرى في اقامة المملكة العربية . ولكنهم تدرجوا فيه من العناية به الى الاخصاء فيه الى اعتباره غاية يطلب لنفسه . فخصصوا له مدارس لا يعلم فيها غيره . منها المدرسة النحوية في جوار المسجد الاقصى في القدس، بل كان هو الغاية من كل دروس اللغة والأدب ، وما من كتاب او شعر او قول او مثل أو حديث شرحوه الا عنوا باعرابه وتطبيقه على قوانين النحو ، بل ما من كتاب فى اللغة او الشعر او الادب او الاخبار او التفسير او غير ذلك حتى مما لا علاقة له باللغة الا وفيه نحو ، بل قد تجد من دقائق النحو في غير كتب النحو ما لا تجده في امهات كتبه. وما من علم شاعت اصطلاحاته وامثاله ولغته على السنة الناس حتى الاميين منهم مثل علم النحو . من ذلك انهم اذا ارادوا ان يقولوا ليس الى هذا الشي حاجة قالوا لا محل له من الاعراب ) واذا ارادو ان يقولوا فات انشي قالوا اصبح في خبر كان ، واذا ارادوا أن يقولوا وغير ذلك قالوا « وهلم جرا » او ا وقس عليه ماورد » « وقوانين النحو كانت في اصلها قليلة على قدر ما دعت اليه الحاجة لأول عهد الملكة بالفساد ، ثم توسعوا في الاستنباط الى ما تقتضيه الصناعة لا الحاجة ، ثم خرجوا بها الى مماحكات لا طائل تحتها، مما أوشك به علم النحو بعد نضجه ان يحترق . إذن كان النحو آلة فأصبح غاية ، وكانت قوانينه على قدر ما تقتضيه الحاجة فتوسعوا فيها الى ما لا تقتضيه . وقد كان الغرض منه على اعتباره آلة ، وعلى الوقوف به عند حد الحاجة اقامة الملكة كما تقدم. وكان ذلك لأن اللغة بملكتها تبقى ببقائها وتفسد بفسادها وتذهب بذهابها . ولا يغني اللغة اذا ذهبت ملكتها ان يكون لها ألفاظ و معاجم الفاظ ، فان الألفاظ