(٤٦)
والوقوف بجده عند حده، والمسؤول في عونه من لا عون إلا من عنه، ولن أعرفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله، إلا بما سيبدو وللعيان، ويزكو مع الامتحان، ويفشو من قلبكم إن شاء الله على كل لسان، وقد حددت له أن يكون لناشئكم أباً، ولكهلكم أخا، ولذي التقويس والكبر ابنا، ما اعتموه على هذا المراد، ولزوم الجواد، وركوب الانقياد، وأما من شق العصا، وبان عن الطاعة وعصى، وظهر منه المراد والهوى، فهو القصي منه وأن مت إليه بالرحم الدنيا، فكونوا له خير رعية بالسمع والطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبر والموالات خير وال، إن شاء الله ﷿، وأخبروني الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية أنه مر في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حواذته، وانطلق بلبله وورشانه، والحف غصنه بروداً مخضرة، وجعل إشراقه للشمس ضرة، وأزاهيره تتيه على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب، فارتاح إلى الكون به بقية نهاره، والتغم ببنفسجة وبهاره، فلما حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بللها الندى، وكتب فيها بطرف غصن يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، ونجوم سمائه: بسيط مجزوء
ولما وافي العيد الذي لم يفرع فيه بأسمائهم منبر، ولا تضوع في نواحيه منهم مسك ولا عنبر، وطوت الفضل منيته، وتعطلت في ذلك الموسم ثنيته، تذكر الوزير أبو محمد بن القبطرنة أيامه معه، وتصور أعياده وجمعه، وأشراقها بحلاه، وابتهاجها بعلاه، وتفكر في سقوط النسور عليه والعقبان، وتمزيق الوحوش لجسمه الذي كان كغصن البان، فقال: طويل