للحوادث مختلف قوة وضعفاً فمنها ما هو هول كله ومنها ما هو لين كله. ونفوس الشيوخ والشبان تختلف اختلافاً شديداً فمنها الممتاز ومنها العادي، فاذا اجتمعت الاحداث التي ليست في أنفسها الّا هولاً، واذا قضت المصادقة أن توجد بازاء هذه الاحداث نفوس ممتازة راقية في حسها أو فهمها أو حكمها كان من المعقول جداً أن يوجد الفيلسوف أو أن يوجد الرجل العظيم ، وكان من المعقول جداً أن يظهر الاختلاف بين الناس في فهمهم للأشياء وحكمهم عليها. وقد أرادت المصادفة أن تجتمع في هذا العصر الذي كان أفلاطون يستقبل فيه الحياة وسقراط يستقبل فيه الموت أحداث عظيمة خطيرة لم تعهدها الانسانية من قبل، وأقول الانسانية واستعمل هذا اللفظ العام على عمومه متعمداً، فقد اعتادت الانسانية الحروب وتعرضت للأهوال وتجشمت الخطوب منذ عرفت الحياة المنظمة، ولكنها لم تكن قد عرفت حرباً ولا تعرضت لهول ولا تجشمت خطباً كتلك الحرب وتلك الأهوال والخطوب التي تعرضت لها في آخر القرن الخامس قبل المسيح
الأمر في تلك الحرب كالأمر في الحرب العظمى التي لم ننسها بعد والتي لا نخطئ ان قلنا أن الانسانية لم تعرف حرباً تعدلها هولاً وفظاعة. فإذا أردنا ان تعلل هذا فتعليله يسير وهو ان العالم كان قد انتهى في سنة ١٩١٤ الى حد من الرقي غير مألوف وان الحرب استفادت من رقي العالم فاضافت الى أهوالها المألوفة أهوالاً لم يكن للناس بها عهد من قبل. كذلك الحال في تلك الحرب التي اضطرب