انتقل إلى المحتوى

صفحة:قادة الفكر.pdf/34

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
—٢٨—

العسكري فقد اشترك في الحرب غير مرة وأظهر فيها بلاءً حسناً وشجاعة قيمة وتضحية بالنفس في سبيل الاصدقاء، ولكنه كان يحاور كل من لقيه ضروباً من الحوار غريبة لم يألفها الناس في الفاظ ان لم تكن راقية مهذبة فقد كانت قوية خلابة ساحرة وما هي الا أن كلف به الشبان وكلف بهم فسعوا اليه أو قل سعى اليهم؛ فلم تكن له مدرسة وانما كان هو مدرسة متنقلة يحاور في الميادين العامة وفي حوانيت الحذائين وغيرهم من الصناع وفي اروقة الحمام وفي الملاعب الرياضية وربما حاور في منازل المومسات وقد فتن به الشبان فتنة لم يفتنوها بأحد من قبله فالتفوا حوله التفافاً شديداً واستغرق حواره اياهم يومه كله أو اكثره. وكان حسن الدعابة بل لم يكن خواره الا دعابة متصلة وهزلا مستمراً ولكن هذه الدعابة الحلوة وهذا الهزل اللذيذ لم يكونا الا ستاراً لطيفاً شفافاً ينم بما دونه من حق وجد. لم تكن له مدرسة ثابتة ولم يكن له موضوع بعينه يدرسه أو يحاور فيه وانما كان يدرس كل شيء ويحاور في كل شيء ويتخذ كل شيء وسيلة للبحث والجدال وطريقاً الى غاية معينة ستراها بعد حين. كان اذن يخالف غيره من فلاسفة عصره من هذين الوجهين من حيث أنه لم يكن يلتزم مكاناً للدرس ومن حيث أنه لم يكن يلتزم موضوعاً للدرس. وكان يخالفهم من جهة أخرى؛ فقد كان هؤلاء الفلاسفة من (السوفسطائيين) سواء منهم من طوف في الارض وانتقل من مدينة الى مدينة يسعى الى الطلاب ويلتمسهم ومن أقام في مدينة بعينها يسعى اليها الطلاب ويلتمسونه؛ كانوا