المدن والقرى ونظم لها الحكومات وأنواع السلطان وجعلها حاضرة بعد أن كانت بادية. في هذه الحياة الحضرية تغير شعور اليونان بالأشياء وفهمهم اياها وحكمهم عليها، وأخذوا بحكم الزراعة والتجارة والصناعة يشعرون بسلطانهم على الطبيعة وأخذوا يرهبون هذه الطبيعة أقل مما كانوا يرهبونها من قبل. كانوا في العصور الأولى يجنون ثمرات الأرض على أنها نعمة من الآلهة أما الآن فهم يكرهون هذه الأرض على ألا تعطيهم ثمراتها. أضف الى هذا انهم كانوا يجهلون الملكية ونتائجها اما اليوم فقد عرفوا الملكية وأخذت کل اسرة تحرص على حظها من الأرض ونشأت الخصومات بين الاسر واشتد تنازع المنافع فليس غريباً أن يكون لهذا كله تأثير عظيم في تكوين العقل وبسط سلطانه على الحياة. الثاني أن هذه الجماعات اليونانية التي استقرت في الأرض وتحضرت بعد بداوة وأخذت تجني ثمرات الحضارة الحلوة أخذت في الوقت نفسه تبلو ثمراتها المرة. ضاقت بها الأرض واشتدت بنها الخصومات فعرفت الحرب الداخلية والحرب الخارجية واضطرت بحكم هذين النوعين من الحرب الى ضروب من المهاجرة والضروب في الأرض فاستعمرت بلاداً بعيدة في أقطار من الأرض مختلفة في آسيا وفي ايطاليا وصقلية وفرنسا واسبانيا بل في أفريقيا أيضاً. وأنت تعلم هذه النتيجة المحتومة التي يحدثها اختلاط الشعوب المختلفة وما ينشأ بينها من حرب وجهاد، تنبه العقل اليوناني بحكم هذه الأشياء كلها وأخذ يفهم الحياة على نحو جديد لم يكن مألوفاً له من قبل وكان رقي
صفحة:قادة الفكر.pdf/24
المظهر