انتقل إلى المحتوى

صفحة:قادة الفكر.pdf/22

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
صُححّت هذه الصفحة، لكنها تحتاج إلى التّحقّق.
—١٦—

تصور هذه الشعوب في هاتين الحالين تشعر بالفرق العظيم بين هذين العصرين اللذين يسيطر الشعر في احدهما على الحياة وتسيطر الفلسفة في احدهما الآخر عليها، ثم تشعر بهذا الزمن الطويل الذي يجب. ان تقضيه الشعوب لتنتقل من احدى هاتين الحياتين الى الاخرى. ونحن اذا سألنا التاريخ عن مقدار القرون التي قضتها الامة اليونانية مثلا لتستبدل العقل بالخيال ولتديل للفلسفة من الشعر انبأنا بان هذه القرون ليست أقل من خمسة أو ستة. فقد كان سلطان الشعر القصصي مسيطراً على الحياة اليونانية سيطرة كاملة في القرن الحادي عشر والعاشر قبل المسيح، ثم اخذ العقل اليوناني يوجد وينمو ويسيطر قليلا قليلا على الحياة والغريب أن سيطرته الاولى على الحياة لم تأخذ مظهراً فلسفياً وانما احتفظت بالصورة الشعرية—أريد أن العقل أثر في الشعر فجعل حظه من الفهم والحكم أعظم من الخيال والحس، وأخذنا نجد في الشعر القصصي ضروباً أو محاولة الفهم وألواناً من الحكم أو محاولة الحكم لم نكن نجدها فيه من قبل، ومعنى ذلك أن العقل أخذ يختلس سبيله الى الحياة اختلاساً ويسلك اليها طرقاً خفية يسلكها شيئاً فشيئاً دون ان يشعر الناس بذلك أو يلتفتوا اليه. وأخذ الشعر كلما عظم فيه تأثير العقل يفقد جماله الاول وسذاجته الطبيعية شيئاً فشيئاً حتى استحال الى شيء لا نستطيع أن نسميه شعراً وانما نحن مضطرون الى أن نسميه نظما، وربما كان أحسن مظهر لهذا النوع من الشعر الذي ينتصر فيه سلطان العقل على سلطان الخيال والذي هو أشبه شيء