وتستطيع أن تسأل هذا السؤال بالقياس الى كل بلد من بلاد أوربا الراقية
—٤—
وكأن المطبعة وما استتبعت من النشر والاذاعة والصحف وما استتبعت من الالحاح في النشر والاذاعة لم تكن تكفي لتوزيع قيادة الفكر بين المؤثرات المختلفة والامم المختلفة والفرق المختلفة. فاستحدث هذا العصر الجديد شيئاً آخر أو أشياء أخرى يخيل الينا في ظاهر الأمر أنها تعين على توحيد الكلمة وجمع الرأي وقصر قيادة الفكر على مؤثر بعينه أو أمة بعينها. ولكنها في حقيقة الأمر تجمع الناس وتقرب ما بينهم من المسافات المادية والمعنوية وهي في الوقت نفسه تمعن في توزيع قيادة الفكر امعاناً غريباً.
هذه الاشياء هي ما اتفقنا على تسميته أسباب المواصلات
ألغيت المسافات أو كادت تلغى. لا نقول بين الأمم والشعوب بل نقول بين القارات الى أن يأتي اليوم الذي تقول فيه الأجيال المقبلة بين الافلاك والكواكب وأصبحنا بفضل البخار والكهرباء وبفضل التلغراف والتليفون نستطيع أن نعرف في مصر آخر النهار ما يقع في أقصى الغرب أو أقصى الشرق أو أقصى الشمال والجنوب في أوله. وأصبح الفيلسوف أو الأديب أو العالم لا يكاد يخرج كتابه للناس في بلده الذي يعيش فيه حتى ينتشر هذا الكتاب في أطراف الأرض فاذا هو يدرس ويلخص ويترجم ويفسر ويناقش في البلاد