قد فشلت وأصبحت لا تصلح قواماً للحياة العامة. ما بالها في القرن الخامس عشر والسادس عشر قد أخذت تفتن الناس عن أنفسهم وديانتهم وعاداتهم وأخلاقهم وميولهم؟ وما بالها قد أخذت تستأثر بقلوب الناس حتى أنهم ليعرضون أنفسهم في سبيلها لمثل ما كان يتعرض له المسيحيون في محاربتها من سجن وموت ومن ألوان التنكيل والتمثيل؟ بل ما بالها قد أخذت تثمر في هذا العصر الحديث ما لم تستطع أن تثمره في العصر القديم؟ لقد كانت الفلسفة اليونانية قد انتهت إلى الشك في العصر القديم وعجزت عن اصلاح النظام السياسي والاجتماعي حتى سئمها الناس وزهدوا فيها. ولكن الناس لم يكادوا يدرسونها في العصر الحديث حتى فتحت أمامهم أبواب الأمل والعمل ومكنتهم من استحداث العلم وتغيير نظم الحياة وانتهت بهم الى ما هم فيه الآن من رقي. ما بالها فشلت قديماً وفازت حديثاً؟ قل في تعليل ذلك ما شئت فقد تصيب وقد تخطئ، ولكنك مصيب من غير شك ان لاحظت معي أن هؤلاء الفلاسفة من اليونان كانوا أرقى من الأجيال التي عاشوا فيها وكانوا قد سبقوا هذه الأجيال إلى حيث لم تستطع أن تدركهم. ولم يكن بد من أن تنتظر فلسفتهم قروناً طوالاً حتى يتم نضوج العقل الانساني فيحسن اساغتها واستثمارها. وهذا هو الذي كان. لم تكد تظهر هذه الفلسفة وتشيع بين المحدثين حتى آتت ثمرها طيباً منتجاً. واذا هي توجه نفراً من الفلاسفة والساسة تولوا قيادة الفكر حتى انتهوا به إلى الثورة الفرنسية ثم إلى ما نحن فيه الآن
صفحة:قادة الفكر.pdf/126
المظهر