المدن اليونانية التي كانت تدرس فيها هذه الفلسفة بنظمها القديمة التي اندفعت بها الى الفوضى والاضطراب وقادتها الى الذلة والخضوع؟ وهل تريد دليلاً على فشل الفلسفة من الوجهة النظرية الخالصة أكثر من هذا الخلاف بين الفلاسفة ومن اضطرار فريق منهم إلى أن يستأنفوا الشك في كل شيء كما كان يشك السوفسطائية في القرن الخامس قبل المسيح؟ واضطرار فريق آخرين إلى أن ينصرف عن الفلسفة النظرية الى الفلسفة الخلقية؟ واضطرار نفر من هؤلاء الى ان يزهدوا في اللذة ونفر آخرين إلى أن يتهالكوا عليها؟ عجزت الفلسفة اذن عن ارضاء الحاجات السياسية للناس كما عجزت عن ارضاء العقل والشعور. فلم يكن بد من أن تنزل عن قيادة الفكر ولم يكن بد من أن يتولى الدين هذه القيادة. وأي دين هذا الذي يجب أن يخلف الفلسفة على قيادة الفكر؟ ليس هو الدين الوثني القديم فقد جدت الفلسفة في هدم هذا الدين ووفقت الى تشكيك الناس فيه وقد عجز الغرب عن أن يستبدل بهذا الدين الوثي دينا جديداً يستحدثه واضطرب الغرب بين هذه الوثنية المضحكة وبين اباحية هادمة لكل شيء مقوضة لكل سلطان. واذن فلم لا ينتشر في الغرب دين شرقي كما انتشرت في الغرب سياسية شرقية؟
—٢—
كان هذا كله ظاهراً بيناً في العصر الذي وليَ أيام قيصر ولكنه مع ذلك لم يتحقق الا بعد جهاد طويل عنيف. فقد ناضل القديم فأحسن النضال. لجأت المدن الجمهورية الى مجلس الشيوخ في