قيصر فقد كان الأمر على عكس هذا. كان الناس قد سئموا الحرية أو قل كان الناس قد ضاقوا لهذه الحرية ذرعاً لانهم عجزوا عن النهوض باعبائها فلم ينتفعوا بها ولم تنتفع بهم. وكان النظام الديمقراطي القديم قد أصبح عتيقاً مملولاً لا سلطازج له على النفوس ولا تأثير له في القلوب. وكان اختلاط الشعوب واشتداد الصلة فيما بينها قد أثبت عجز النظام الديمقراطي القديم عند سيادة العالم وضبط أموره. وكان العالم في حاجة شديدة إلى من يسوده ويضبط أموره في حزم وعزم. وكان قيصر هذا السيد الحازم العازم الذي أتيح له أن يزيل. أنقاض القديم ليتيح للجديد أن يظهر ويظفر ويسود. لذلك لم يحسن المؤتمرون بقيصر الى الديمقراطية وانما أساءوا اليها وتعجلوا قضاء اللّٰه فيها. وأنت تعلم أن جسم قيصر لم يكد يدس في التراب حتى كان انصاره والمشيعون له أكثر من خصومه والساخطين عليه وحتى اضطر الذين انتمروا به وقتلوه أن يفروا بديمقراطيتهم وحريتهم إلى مكان بعيد. وأنت تعلم أن الذين نهضوا بالامر بعد قيصر ما زالوا بهؤلاء المؤتمرين حتى ثأروا منهم لقيصر وانهم بعد أن فرغوا من هؤلاء المؤتمرين انقسموا على أنفسهم واضطروا إلى أنواع من الجهاد كلفت العالم رجلاً وأموالاً وجشمته خطوباً وأهوالا وانتهت آخر الأمر إلى حيث كان قيصر قد انتهى من تثبيت سلطان الفرد من ناحية وجمع الشرق والغرب تحت هذا السلطان من ناحية أخرى واستقرار اغسطس حيث كان استقر خاله قيصر.
كل هذه الاحداث التي المح اليها تلميحا تدل دلالة واضحة قوية