وايتاء العظمة حقها لازم في كل آونة[1] وبين كل قبيل .. ولكنه في هذا الزمن وفي عالمنا هذا ألزم منه في أزمنة أخرى ، لسببين متقاربين لا لسبب واحد : أحدهما أن العالم اليوم أحوج مما كان إلى المصلحين النافعين لشعوبهم وللشعوب كافة .. ولن يتاح لمصلح أن يهدي قومه وهو مغموط[2] الحق معرض للجفوة[3] والكنود[4].
والسبب الآخر أن الناس قد اجترأوا على العظمة في زماننا بقدر حاجتهم الى هدايتها .. فان شيوع الحقوق العامة قد أغرى أناسا من صغار النفوس بإنكار الحقوق الخاصة ، حقوق العلية[5] النادرين الذين ينصفهم التمييز وتظلمهم المساواة .. والمساواة هي شرعة[6] السواد[7] الغالبة في العصر الحديث.
* * *
ولقد جار هذا الفهم الخاطئ للمساواة على حقوق العظماء السابقين، كما جار على حقوق العظماء من الأحياء والمعاصرين، ثم أغرى الناس بالجور[8] بعد الجور غرورهم بطرائف العصر الحديث ، واعتقادهم انه قد أتى بالجديد الناسخ[9] للقديم في كل شيء .. حتى في ملكات النفوس والأذهان، وهي مزية خالدة لا ينسخ فيها الجديد القديم.
يرون أن البخار يلغي الشراع[10]، وربما كان الاختراع السابق أدل على القدرة وأبين عن الفضل من الاختراع الذي تلاه ، ولم يكن ليتلوه لولا ما تقدم عليه ..
وينظرون إلى أقطاب الدنيا كأن الأصل في النظر إليهم أن يتجنوا عليهم ويثلبوا[11] كرامتهم، ولا يثوبوا[12] الى الاعتراف لهم بالفضل الا مكرهين، بعد أن تفرغ عندهم وسائل التجني والثلب والافتراء[13].
هذه الآفة حِطَّةٌ تهبط بالخلق الإنساني إلى الحضيض[14]، وتهبط بالرجاء في اصلاح العيوب الخلقية والنفسية الى ما دون الحضيض ..
٩