صفحة:عبقرية عمر (المكتبة العصرية).pdf/65

    من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
    تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.

    ولا ندري حقًّا أعمله من الكرم أم من البخل، ومن الرفعة أم من الخسة، ومن الشجاعة المحمودة أم من الجبن المذموم! وغاية ما ننتهي إليه أنَّ نفض[1] المشكلة بكلمة واحدة هي الوسواس، وهي حيلة تلجئنا إليها قلة الحيلة؛ لأن تفسير الأعمال بالوسواس يفيدنا في تقدير صاحبها وتقدير أعماله وأخلاقه، ولكنه تفسير له معنًى واحد في النهاية، وهو: ترك التفسير.

    قد تحيرنا هذه الشخصية المنقوصة، ولا تحيرنا الشخصية الكاملة التي تروعنا بفضائلها ومزاياها، ثم لا نستغرب منها فضيلة أو مزية بالقياس إلى انتظام عملها، واتصال أثرها، كالشمس الطالعة تروعنا بإشراقها في أوقاتها وبروجها، ثم لا تحيرنا لمحة عين، كما تحيرنا الذُّبالة[2] الضئيلة، تومض[3] لحظة وتختفي من بعيد.

    وفي اعتقادنا أنَّ شخصية عمر من أقرب الشخصيات العظيمة مفتاحًا، لمن يبحث عنه، فليس فيها باب معضل[4] الفتح، وإن اشتملت على أبواب ضخام.

    وقد ذكرنا في الفصل السابق أنَّ إيمانَ عمرَ هو الضابطُ الذي يسيطر على أخلاقه وأفكاره، كما يسيطر على دوافعه وسوراته، ولكن الذي نريده بمفتاح الشخصية شيء آخر غير معرفة الضابط الذي يسيطر عليها؛ نريد به السمة[5] التي تميزه بين العظماء، حتى في الإيمان وسيطرته على الأخلاق والأفكار والدوافع والسورات، فإن الإيمان ليقوى في نفوس كثيرات، ثم تختلف آياته وشواهده باختلاف تلك النفوس، وهنا نبحث عن «مفتاح الشخصية»؛ لنعرف به الفارق بين الإيمان في طبيعة عمر، وبين الإيمان في طبائع غيره من الأقوياء.

    والذي نراه أنَّ «طبيعة الجندي» في صفتها المثلى، هي أصدق مفتاح «للشخصية العمرية» في جملة ما يؤثر أو يروى عن هذا الرجل العظيم.

    فأهمُّ الخصائص التي تتجمع «لطبيعة الجندي» في صفتها المثلى: الشجاعة، والحزم والصراحة، والخشونة، والغيرة على الشرف، والنجدة

    1. أي ننهيها ونزيلها
    2. الفتيلة
    3. ومض البرق : لمع لمعا خفيا
    4. أي صعب
    5. العلامة