صفحة:عبقرية عمر (المكتبة العصرية).pdf/20

    من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
    تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.

    على ذلك، حتى توفاه الله وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيرًا وأنا به أسعد، ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر، فكان من لا ينكر دعته وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفًا مسلولًا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله — عز وجل — وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيرًا وأنا به أسعد، ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أنَّ تلك الشدة قد أضعفت،٥ ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعضٍ لبعض.»

    بل ظهرت آثار الشعور بالتبعة بعد موت النبي، والحال على أشده في يوم السقيفة، والمسلمون مختلفون على من يلي الأمر بعد محمد، حتى قيل فيما قيل: من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير!

    ففي تلك المحنة التي تشخص فيها الأبصار، وتعظم التبعات، وتودي زلة الساعة فيها بالكثير الذي لا تستدركه الأعوام، كان عمرُ الحادُّ الشديدُ يخشى بوادر الحِدَّةِ من أبي بكر، ويهيئ الكلام الليِّن ليعالج الأمر بالرفق والتؤدة، ويقول فيما رواه عن محنته ذلك اليوم: «وكنت أداري منه بعض الحد — أي الحدة — فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رِسْلِك! فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر.»

    عمرُ الحادُّ الشديدُ يحاذرُ من بوادر أبي بكر، وأبو بكر الحليم الوديع يكف عمر عن الكلام، فيطيع!

    هؤلاء رجال يعرفهم صاحبهم، وهذه مواقف يعرفها صاحبها، وهذه مسألة فصل فيها الزمن، ولم يبقَ لنا نحن الذين نعود إليها ونستخلص عبرتها، إلا أن نراقب ما فيها من آيات الإعجاز، وسوابق النظر البعيد.

    ما وضع أبو بكر خيرًا من موضعه، وهو يلي الإسلام والخطر من داخل أهله، والطب الذي يطبهم به هو طب التآلف والإحجام عن السطوة ما كان إلى الإحجام عنها سبيل.

    ۱) جعله في غمده - (۲) سكونه ۰ (۳) استقامة الطريق • (4) شخص بصره : اذا فتح عينيه وجعل لا يطرف . (5) اي تهلك . (6) أي التريث (۷) تمهل أو انتظر