-٦٥-
في الشأم، وآخر في العراق، وثالث في خراسان ورابع في الأندلس. وأنت تعلم حق العلم أن هذه العصبية هي التي أزالت سلطان بني أمية؛ لأنهم عدلوا عن سياسة النبي التي كانت تريد محو العصبيات، وأرادوا أن يعتزوا بفريق من العرب على فريق، قوّوا العصبية ثم عجزوا عن ضبطها، فأدالت منهم، بل أدالت من العرب للفرس.
واذا كان هذا تأثير العصبية في الحياة السياسية وقد رأيت طرفا يسيرا من تأثيرها في الشعر والشعراء، فأنت تستطيع أن تتصوّر هذه القبائل العربية في هذا الجهاد السياسي العنيف، تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم، وعلى أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعا مؤثلا بعيد العهد. وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي، لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد، وانما كانت ترویه حفظا. فلما كان ما كان في الإسلام من حروب الردّة ثم الفتوح ثم الفتن، قتل من الرواة والحفّاظ خلق كثير. ثم ٱطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية وراجعت شعرها، فإذا أكثره قد ضاع، واذا أقله قد يقي. وهي بعد في حاجة الى الشعر تقدّمه وَقودا لهذه العصبية المضطرمة. فاستكثرت من الشعر وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال ونحلتها شعراءها القدماء.
وليس هذا شيئا نفترضه نحن أو نستنبطه استنباطا، وانما هو شيء كان يعتقده القدماء أنفسهم. وقد حدّثنا به محمد بن سلام في كتابه