تفسير قوله تعالى : (قرمانا عربيا ) الخ ( الرحمن الرحيم ) من بين اسمائه تعالى للايذان بأنه مدار للمصالح الدينية والدنيوية واقع بمقتضى الرحمة الربانية حسبما ينبيء عنه قوله تعالى : ( وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين ) وتفصيل آياته تمييزها لفظا بفواصلها ومقاطعها ومبادى السور وخواتمها ، ومعنى بكونها وعدا ووعيدا وقصصا وأحكاما الى غير ذلك بل أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم والمباحث المتباينة عبارة واشارة مثل ما في القرآن. وعن السدى ) فصلت آياته أى بينت ففصل بين حرامه وحلاله وزجره وأمره ووعده ووعيده ، وقال الحسن : فصلت بالوعد والوعيد ، وقال سفيان : بالثواب والعقاب ، وما ذكرنا أولا أعم ولعل ما ذكروه من ! وه من باب التمثيل لا الحصر ، وقيل : المراد فصلت آياته فى التنزيل أى لم تنزل جملة واحدة وليس بذاك . وقرئ ) فصلت ) بفتح الفاء والصاد مخففة أى فرقت بين الحق والباطل ، وقال ابن زيد : بين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومن خالفه على أن فصل متعد أو فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني على أن فصل لازم بمعنى انفصل ما في قوله تعالى: (فصلت المير) " وقرى (فصلت) بضم الفاء وكسر الصاد مخففة على أنه مبنى للمفعول والمعنى على مامر ( قرءانا عربيا ) نصب على المدح بتقدير أعنى أو أمدح أو نحوه أو على الحال فقيل : من ( كتاب ( لتخصصه بالصفة، وقيل : من (آياته ) وجوز في هذه الحال أن تكون مؤكدة لنفسها وأن تكون موطئة للحال بعدها ، وقيل: نصب على المصدر أى يقرؤه قرآنا ، وقال الأخفش : هو مفعول ثان افصلت ، وهو كما ترى ان لم تكن أخفش ، واياما كان ففى (قرآنا عربيا) امتنان بسهولة قراءته وفهمه انزو له بلسان من نزل بين أظهرهم لقوم يعلمون ) أى معانيه لكونه على لسانهم على أن المفعول محذوف أو لأهل العلم والنظر على أن الفعل منزل منزلة اللازم ولام (القوم) تعليلية أو اختصاصية وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون به والجار والمجرور ما إفى موضع صفة أخرى - لقرآنا - أوصلة - لتنزيل - أو - لفصلت - قال الزمخشري : ولا يجوز أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده أي قرآنا عربيا كانا لقوم عرب لثلا يفرق بين الصلات والصفات ، ولعله أراد لئلا يلزم التفريق بين الصفة وهي قوله تعالى : ( بشيرا ونذيراً) وموصوفها وهو (قرآنا ) بناء على أنه صفة له بالصلة وهى ( لقوم ) على تقدير تعلقه - بتنزيل - أو - بفصلت- وبين الصلة وموصولها بالصفة أى ( تنزيل) أو (فصلت) و ( لقوم ) والجمع المبالغة على حد قولك لمن يفرق بين أخرين: لا تفعل فان التفريق بين الأخوان مذموم أو أراد لئلا يفرق بين الصلاتين في الحكم مع عدم الموجب للتفريق وهو ان يتصل (من (الرحمن) بموصوله ولا يتصل (أقوم) وكذلك بين الصفتين وهو (عربيا) بموصوفه ولا يتصل ( بشيرا ) والجمع لذلك أيضا . واختار ابو حيان كون الجار والمجرور صلة ( فصلت ) وقال: يبعد نعلقه - بتنزيل - لكونه وصف قبل أخذ متعلقه ان كان ( من الرحمن) في موضع الصفة أو أبدل منه ( كتاب) أو كان خبرا - لتنزيل - فيكون في ذلك البدل من الموصول أو الاخبار عنه قبل أخذه متعلقه ، وهو لا يجوز و لعل ذلك غير مجمع عليه ، وكون (بشيرا) صفة (قرآنا) هو المشهور، وجوز ان يكون مع ما عطف عليه حال من ( كتاب) أو من (آيانه) و قرأ زيد بن على (بشير) و نذير برفعهما و هي رواية شاذة عن نافع على الوصفية لكتاب أو الخبرية المحذوف أى هو بشير لأهل الطاعة ونذير لأهل المعصية ) فَأعْرَضَ أكثرهم ) عن تدبره وقبوله ، والضمير للقوم على المعنى الأول ليعلمون وللكفار المذكورين حكما على المعنى الثاني، ويجوز أن يكون للقوم عليه ايضا بأن يراد به
صفحة:روح المعاني24.pdf/95
المظهر