٩٢ تفسير روح المعاني بالبينات وبما جاء به الرسل من علم الوحى ، ويؤيد هذا قوله تعالى : ( وَحَاقَ بهم مَا كَانُوا به يستهزون ٨٣) الخامس أن يجعل الضمير ان للرسل عليهم السلام ، والمعنى أن الرسل لما رأوا جهل الكفرة المتمادي واستهزاءهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله تعالى وحاق بالكافرين جزاء جهلهم و استهزائهم ، وحكى هذا عن الجبائي (السادس) أن يجعل الضميران للكفار ، والمراد بما عندهم من العلم عليهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كما قال تعالى : ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون . ذلك مبالغهم من العلم ( فلما جاءهم الرسل بعلم الديانات وهى أبعد شيء من عليهم أبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات لم يلتفتوا اليها وصغروها واستهزؤابها واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من عليهم ففرحوا به ، قال صاحب الكشف : والارجح من بين هذه الاوجه الستة الثالث فقيه التهكم والمبالغة في خلوهم من العلم ومشتمل على ما يشتمل عليه الأول وزيادة سالم عن عدم الطباق للواقع كما فى الثانى وعن قصور العبارة عن الاداء كالرابع وعن فك الضمائر كما في الخامس، والسادس قريب لكنه قاصر عن فوائد الثالث انتهى فتأمله جدا . وأبو حيان استحسن الوجه السادس و تعقب الوجه الثالث بأنه لا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية الا في قليل من الكلام نحو شر أهر ذاناب على خلاف فيه ، ولما آل أمره إلى الاثبات المحصور جاز ، وأما الآية فينبغي أن لا تحمل على القليل لأن في ذلك تخليطا لمعانى الجمل المتباينة فلا يوثق بشيء منها ، وأنت تعلم أنه لا تباين عنى بين لم يفرحوا بما جاءهم من العلم و ( فرحوا بما عندهم من العلم ) على ما قرر . نعم هذا الوجه عندى مع مافيه من حسن لا يخلو عن بعد ، وكلام صاحب الكشف لا يخلو عن دغدغة ( فَلَا رَأوا باسنا ) شدة عذابنا ومنه قوله تعالى : (بعذاب بئيس ) ( قَالُوا آمَنَّا بِالله وَحدَهُ وَكَفَرْنَا بما كُنَّا به مشركين ٨٤) يعنون الاصنام أوسائر آلهتهم الباطلة : ) فلم يك ينفعدم إيمنهم لما رأوا باسنا ) أي عند رؤية عذابنا لأن الحكمة الالهية قضت أن لا يقبل مثل ذلك الايمان ، و (إيمانهم ) رفع بيك اسمالها أو فاعل ( ينفعهم ) وفى ( يك ( ضمير الشأن على الخلاف الذي في كان يقوم زيد ، ودخل حرف النفى على الكون لا على النفع لافادة معنى نفى الصحة فكأنه لم يصح ولم يستقم حكمة نفع أيمانهم اياهم عند رؤية العذاب ، وههنا أربعة فاءات فاء ( فما أغنى ) وفاء ( فلما جاءتهم ) وفاء «فلما رأوا» وفاء د فلم يك » فالفاء الأولى مثلها في نحو قولك : رزق المال فمنع المعروف فما بعدها نتيجة مالية لما كانوا فيه من التكاثر بالاموال والاولاد والتمتع بالحصون ونحوها ، والثانية تفسيرية مثلها في قولك : فلم يحسن إلى الفقراء بعد فمنع المعروف في المثال فما بعدها إلى قوله تعالى : ( وحاق بهم ( إيضاح لذلك المجمل وأنه كيف الأمر إلى عكس ما املوه وأنهم كيف جمعوا واحتشدوا وأوسعوا فى اطفاء : نور الله وكيف حاق المسكر السيء بأهله إذ كان في قوله سبحانه : (فما الغنى عنهم ايماء بأنهم زاولوا أن يجعلوها مغنية ، والثالثة للتعقيب ، وجعل ما بعدها تا بعالما قبلها واقعا عقيبه ( فلما رأوا بأسنا) مترتب على قوله تعالى : ( فلما جاءتهم ) الخ تابع له لأنه بمنزلة فكفروا إلا أن ( فلما جاءتهم ) الآية بيان كفر مفصل مشتمل على سوء معاملتهم وكفراتهم بنعمة الله تعالى العظمى من الكتاب والرسول فكأنه قيل : فكفروا فلما رأوا بأسنا امنوا ، ومثلها الفاء الرابعة انتهى بهم
صفحة:روح المعاني24.pdf/92
المظهر