انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني24.pdf/79

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٧٩

تفسير قوله تعالى : (فاستعذ بالله) الخ Vi كذبوا أولا بقولهم للنبي عليه الصلاة والسلام : لست صاحبنا ، وثانيا بقولهم: بل هو المسيح بن داود يعنون الدجال ، أما الكذب الأول فظاهر ، وأما الثاني فلانه لم يبعث نبي الا وقد حذر أمته الدجال وأنذرهم اياه كما نطقت بذلك الاخبار، وهم قالوا: هو صاحبنا يعنون المبشر ببعثته آخر الزمان، وكل ذلك من الجدال في آيات الله تعالى بغير سلطان ) فاستعذ بالله ) أى فالتجيء اليه تعالى من كيد من يحسدك و يبغى عليك ، وفيه رمز إلى أنه من همزات الشياطين ، وقال أبو العالية : هذا أمر للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتعوذ من فتنة الدجال بالله عز وجل ( إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصير ٥٦ ) أي لأقوالكم وافعالكم، والجلة لتعليل الامر قبلها . وقوله تعالى: ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ) تحقيق للحق وتبيين لأشهر ما يجادلون فيه من أمر البعث الذى هو كالتوحيد فى وجوب الايمان به على منهاج قوله تعالى : ( أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على ان يخلق مثلهم وإضافة (خلق) الى ابعده من إضافة المصدر الى مفعوله أي لخلق الله تعالى السموات والأرض أعظم من خلقه سبحانه الناس لأن الناس بالنسبة الى تلك الاجرام العظيمة كلاشيء ، والمراد أن من قدر على خلق ذلك فهو سبحانه على خلق ما لا يعد شيئا بالنسبة اليه بدأ وإعادة أقدر وأقدره . وقال أبو العالية : الناس الدجال وهو بناء على ماروى عنه فى المجاد اين ، ولعمرى ان تطبيق هذا ونحوه على ذلك في غاية البعد وأنا لا أقول به ) وَلَكُنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْدُونَ ٥٧ ) وهم الكفرة ، ولما كان ماقبل لاثبات البعث الذي يشهد له العقل وتقتضيه الحكمة اقتضاء ظاهرا ناسب نفى العلم : عمن كفر به لأنهم لو كانوا من العقلاء الذين من شأنهم التدبر والتفكر فيما يدل عليه لم يصدر عنهم انكاره ، ولم يذكر للعلم مفعولا لأن المناسب للمقام تنزيله منزلة اللازم ، وقيل : المراد لا يعلمون أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس أى لا يجرون على موجب العلم بذلك من الاقرار بالبعث و من لا يجرى على موجب عليه هو والجاهل سواء وفى البحر أنه تعالى نبه على أنه لا ينبغي ان يجادل فى آيات الله ولا يتكبر الانسان بقوله سبحانه : ( لخلق) الخ أى ان مخلوقاته تعالى أكبر وأجل من خلق البشر فما لأحدهم يجادل و يتكبر على خالقه سبحانه وتعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون لا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم ولذلك جادلو او تكبروا ، ولا يخفى أنه تفسير قليل الجدوى * ( وَمَا يَسْتَوى الأعمى والبصير ) أى الغافل عن معرفة الحق في مبدئه ومعاده ومن كانت له بصيرة في معرفتهما، وتفسير (البصير) بالله تعالى و (الأعمى) بالصنم غير مناسب هنا ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات) أى المحسن ولذا قوبل بقوله تعالى : ( وَلَا المسىء ( وعدل عن التقابل الظاهر ما في الاعمى والبصير الى ما في النظم الجليل اشارة الى ان المؤمنين علم في الاحسان، وقدم (الاعمى) لمناسبة العمى ما قبله من نفى العلم، وقدم الذين آمنوا بعد المجاورة البضير والشر فهم ، وفى مثله طرق أن يجاور كل ما يناسبه كما هنا، وان يقدم ما يقابل الأول ويؤخر ما يقابل الآخر كقوله تعالى : ( وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ) وان يؤخر المتقابلان كالاعمى والاصم والسميع والبصير وكل ذلك من باب التفنن .