تفسير قوله تعالى : ( فهل إلى خروج ) ٠٣ ما سمعت لبيان الاقرار والاعتراف منهم في الآخرة بما أنكروه في الدنيا وتلك لبيان الامتنان الذي يستدعى شكر المنعم أو لبيان الدلائل لتصرفهم عن الكفر . ويرجح هذا القول إن أمر إطلاق الامانة على كلنا الامانتين ظاهر. وتعقبه في الكشف بأنه لاقرينة في اللفظ تدل على خروج الاحياء الأول مع أن الاطلاق عليه أظهر و المقابلة تنادى على دخوله. و يكفى فى الاعتراف اثبات احياء واحد منهما غير الأول ، وقيل : إنما قالوا: (احييتنا اثنتين) لأنهما نوعان احياء البعث وأحياء قبله، ثم احياء البعث قسمان احياء في القبر واحياء عند القيام ولم يذكر تقسيمه لأنهم كانوا منكرين لقسميه . وتعقب بأن ذكر الامانة الثانية التي في القبر دليل على أن التقسيم ملحوظ ، والمراد التعدد الشخصي لا النوعي نعم هذا يصلح تأييدا لما احتاره جار الله ، وروى عن جمع من السلف من أن الاحياءات وإن كانت ثلاثا إنما سكت عن الثانية لأنها داخلة فى احياءة البعث قاله صاحب الكشف ثم قال: وعلى هذا فالامانة على مختار جار الله اماتة قبل الحياة وامانة بعدها وطويت اماتة القبر ما طويت أحياءته ولك أن تقول إن الاماتة نوع واحد بخلاف الاحياء فروعى التحدد فيها شخصا بخلافه ، وذكر الامانة الثانية لأنها منكرة عندهم كالحياتين ، ويجب الاعترف بها لا للدلالة على أن التعدد فى الاحياء شخصى والحق أن ذلك وجه لكن قوله تعالى: (اثنتين) ظاهر في المرة فلذا آثر من آثر الوجه الأول وإن كانت الامانة فيه غير ظاهرة ذهابا إلى أن ذلك مجاز مستعمل في القرآن فتأمل . وقال الامام : إن أكثر العلماء احتجوا بهذه الآية فى اثبات عذاب القبر وذلك أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين فاحدى الموتتين مشاهد فى الدنيا فلا بد من اثبات حياة أخرى فى القبر حتى يصير الموت الذي عقيبها موتا ثانيا ، وذلك يدل على حصول حياة في القبر، وأطال الكلام في تحقيق ذلك والانتصار له، والمنصف يرى أن عذاب القبر ثابت بالاحاديث الصحيحة دون هذه الآية لقيام الوجه المروى عمن سمعت أولا فيها ، وقد قيل: إنه الوجه لكنى أظن أن اختيار الزمخشرى له لدسيسة اعتزالية ، وقال ابن زيد في الآية أريد احياؤهم نسما عند أخذ العهد عليهم من صلب آدم ثم اما تتهم بعد ثم احياؤهم في الدنيا ثم إما تتهم ثم أحياؤهم وهذا في أن الاحياءات ثلاث ، وقد أطلق فيه الاحياء الثالث والاغلب على الظن أنه عنى به احياء البعث ، وقيل: التثنية في كلامهم مثلها في قوله تعالى: (فارجع البصر كرتين) مراد بها التكرير والتكثير فكأنهم قالوا: أمتنا مرة بعد مرة وأحيبيتنا مرة بعد مرة فعلمنا عظيم قدرتك وأنه لا يتعاصاها الاعادة ما لا يتم اصاها غيرها فاعترفنا بذنوبنا التي اقترفناها من انكار ذلك ، وحينئذ فلا عليك أن تعتبر الموت في صلب آدم ثم الاحياء لأخذ المهدثم الامانة ثم الاحياء بنفخ الروح فى الارحام ثم الامانة عند انقضاء الاجل فى الدنيا ثم الاحياء في القبر للسؤال أو لغيره ثم الامانة فيه ثم الاحياء للبعث ولا يخفى أنه على ما فيه انما يتم لو كان المقول أمتنا اماتتين أوكرتين وأحييتنا احياء تين أو كرتين مثلا دون ما فى المنزل ، فان (اثنتين) فيه وصف لإماتتين ولإحياء تين وهو دافع لاحتمال ارادة التكثير ما قيل فى (إلهين اثنين) وبناء الامر على أن العدد لا مفهوم له لا يخلو عن بحث، ومن غرائب ما قيل في ذلك ماروى عن محمد بن كعب ان الكافر فى الدنيا حى الجسد ميت القلب فاعتبرت الحالتان فهناك امانة واحياء للقلب والجسد في الدنيا ثم ام تتهم عند انقضاء الآجال ثم احياؤهم للبعث، ومثل هذا يحكى ليطلع على حاله ( فهل الى خروج ) أى الى نوع خروج من النار أي فهل الى خروج سريع أو بطي، أو من مكان منها إلى آخر أو إلى الدنيا أو غيرها صريح
صفحة:روح المعاني24.pdf/53
المظهر