انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني24.pdf/52

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٥٢
تفسير روح المعاني

٥٢ تفسير روح المعاني بالكناية فيكون مجازا مرسلا مستتبعا للاستعارة بالكناية، فالمراد بالاماتة هناك الصرف لا النقل، وذكر بعضهم انه لا بد من القول بعموم المجاز لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز فى الآية أو استعمال المشترك في معنييه بناء على زعم ان الصيغة مشتركة بين الصرف و النقل، ومن أجاز ما ذكر لم يحتج للقول بذلك. وفي الكشف آثر جار الله ان احدى الامانتين ما ذكر في قوله تعالى: (وكنتم أمواتا فاحياكم واطلاقها عليه من باب المجاز وهو مجاز مستعمل في القرآن ، وقد ذكر وجه التجوز، وتحقيق ذلك يبتنى على حرف واحد وهو ان الاحياء معناه جعل الشيء حيا فالمادة الترابية أو النطفية اذا أفيضت عليها الحياة صدق أنها صارت ذات حياة على الحقيقة إذ لا يحتاج الى سبق موت على الحقيقة بل إلى سبق عدم الحياة فهناك احياء حقيقة ، وأما الامانة فان جعل بين الموت والحياة التقابل المشهورى استدعى المسبوقية بالحياة فلا تصح الامانة قبلها حقيقة، وان جعل التقابل الحقيقى ،صحت، لكن الظاهر في الاستعمال بحسب عرفى العرب والعجم أنه مشهورى انتهى، وأراد بالمشهورى و الحقيقى ماذكروه في التقابل بالعدم والملكة فانهم قالوا: المتقابلان بالعدم والملكة وهما أمران يكون أحدهما وجوديا و الآخر عدم ذلك الوجودى فى موضوع قابل له ان اعتبر قبوله بحسب شخصه في وقت اتصافه بالأمر العدمي فهو العدم والملكة المشهوران كالكوسجية فانها عدم اللحية عما من شأنه في ذلك الوقت أن يكون ملتحيا فان الصبي لا يقال له كوسج، وان اعتبر قبوله أعم من ذلك بأن لا يقيد بذلك الوقت كعدم اللحية عن الطفل أو يعتبر قبوله بحسب نوعه كالعمى للاكمه أو جنسه القريب كالعمى للعقرب أو البعيد كعدم الحركة الارادية عن الجبل فان جنسه البعيد أعنى الجسم الذي هو فوق الجماد قابل للحركة الارادية فهو العدم والملكة الحقيقيان لسكن في بناء اقتضاء المسبوقية بالحياة وعدمه على ذلك خفاء، وانضم اليه التعبير بصيغة الماضى ما لا يخفى على المتدبره ثم وجه تسبب الامانة مرتين والاحياء كذلك لقوله تعالى : ( فاعترفنا بذنوبنا ) أنهم قد أنكروا البعث فكفروا وتبع ذلك من الذنوب مالا يحصى لأن من لم يخش العاقبة تخرق فى المعاضي فلما رأوا الامانة والاحياء قد تكرر عليهم علموا بأن الله تعالى قادر على الاعادة قدرته على الانشاء فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من انكار البعث وما تبعه من معاصيهم وقال السدي: أرادوا بالامانة الأولى اما تتهم عند انقضاء آجالهم وبالاحياءة الأولى احياء تهم في القبر للسؤال وبالامانة الثانية اماتتهم بعد هذه الاحياءة الى قيام الساعة وبالاحياءة الثانية أحياءتهم للبعث ، واعترض عليه بأنه يلزم هذا القائل ثلاث إحياءات فكان ينبغي أن يكون المنزل أحييتنا ثلاثا فان ادعى عدم الاعتداد بالاحياءة المعروفة وهى التي كانت في الدنيا السرعة انصرامها وانقطاع آثارها و أحكامها لزمه أن لا يعتد بالامانة بعدها . وقال بعض المحققين فى الانتصار له : إن مراد الكفار من هذا القول اعترافهم بما كانوا ينكرونه في الدنيا ويكذبون الأنبياء حين كانوا يدعونهم إلى الايمان بالله تعالى واليوم الآخر لأن قولهم هذا كالجواب عن النداء في قوله تعالى: ( ينادون لقت الله) كأنهم أجابوا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعونا وكنا نعتقد أن لا حياة بعد الموت فالآن نعترف بالموتين والحياتين لما قاسينا من شدائدهما وأحوالهما فالذنب المعترف به تكذيب البعث ، ولهذا جعل مرتبا على القول وإنما ذكروا الامانتين ليذكروا الاحياءين إذ كلتا الحياتين كانتا منكرتين عندهم دون الحياة المعروفة ومقام هذه الآية غير مقام قوله تعالى : ( وكنتم أمواتا فأحياكم) فان هذه 0