تفسير قوله تعالى : (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) الخ ٣٥ وقيل : المراد بالذين أتقوا المحترزون عن الشرك خاصة فطبتم على معنى طبتم عن دنس الشرك ولا خلاف فى ان دخول الجنة مسبب عن الطيب والطهارة عنه . وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر لأن التقوى في العرف الغالب تقع على أخص من ذلك لاسيما في معرض الاطلاق والمدح بما عقبه من قوله تعالى : ( فنعم أجر العاملين ( فتدبر ( وَقَالُوا ) عطف على ( قال ) أو على الجواب المقدر بعد ( خالدين ) أو على مقدر غيره أى فدخلوها وقالوا : ( الحمد لله الذى صدقنا وعده بالبعث والثواب ) وأورثنَا الْأَرْضَ ) يريدون المكان الذي استقروا فيه فان كانت أرض الآخرة التى يمشى عليها تسمى أرضا حقيقة فذاك والا فاطلاقهم الارض على ذلك من باب الاستعارة تشبيها له بأرض الدنيا ، والظاهر الأول ، وحكى عن قتادة . وابن زيد . والسدى أن المراد أرض الدنيا وليس بشيء ، وايراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيها يرثه بناء على أنه لا ملك في الآخرة لغيره عز وجل وانما هو اباحة التصرف والتمكين مما هو ملكه جل شأنه ، وقيل : ورثوها من أهل النار فان لكل منهم مكانا في الجنة كتب له بشرط الايمان * تتبوا من الجنة حيث نَشَاء أى يتبوأ كل منا فى أى مكان أراده من جنته الواسعة لا أن كلا منهم يتبوأ في أى مكان من مطلق الجنة أو من جنات غيره المدينة لذلك الغير ، فلا يقال : انه يلزم جواز تبوؤ الجميع فى مكان واحد وحدة حقيقة وهو محال أو أن يأخذ أحدهم جنة غيره وهو غير مراد ، وقيل: الكلام على ظاهره ولكل منهم أن يتبوأ فى أى مكان شاء من مطلق الجنة ومن جنات غيره الا أنه لا يشاء غير مكانه لسلامة نفسه وعصمة الله تعالى له عن تلك المشيئة ، وقال الامام : قالت حكماء الاسلام : ان لكل جنتين جسمانية وروحانية ومقامات الثانية لا تمانع فيها فيجوزان يكون فى مقام واحد منها مالا يتناهى من أربابها ، وهذه الجملة حالية فالمعنى أورثنا مقامات الجنة حالة كوننا نسرح فى منازل الارواح كما نشاء . وقد قال بعض متألهى الحكماء : الدار الضيقة تسع ألف ألف من الأرواح والصور المثالية التي هي أبدان المتجردين عن الابدان العنصرية لعدم تمانعها ما قيل * سم الخياط مع الاحباب ميدان . وفسر المقام الروحاني بما تدركه الروح من المعارف الالهية وتشاهده من رضوان الله تعالى وعنايته القدسية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت . و تعقب بأن هذا أن عد من بطون القرآن العظيم فلا كلام والا فحمل الجنة على مثل ذلك مما لا تعرفه العرب ولا ينبغى أن يفسر به ، على أنه ربما يقال : يرد عليه أنه يقتضى أن لكل أحد أن يصل الى مقام روحاني من مقاماتها مع أن منها ما يخص الانبياء المكرمين والملائكة المقربين ، والظاهر أنه لا يصل الى مقاماتهم كل أحد. العارفين فافهم ولا تغفل ) فنعم أجر العاملين ٧٤) من كلام الداخلين عند الاكثر و المخصوص بالمدح محذوف أى هذا الأجر أو الجنة، ولعل التعبير - باجر العاملين دون أجرنا للتمريض بأهل النار أنهم غير عاملين ، وقال مقاتل : هو من كلام الله تعالى ( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ ) أي محدقين من الحفاف بمعنى الجانب جمع حاف كما قال الاخفش ، وقال الفراء : لا يفرد فقيل : أراد أن المفرد لا يكون حافا اذ الاحداق والاحاطة لا يتصور بفرد وإنما يتحقق بالجمع ، وقيل : أراد أنه لم يرد استعمال مفرده . وأورد على الأول ان الاحاطة بالشيء بمعنى محاذاة جميع جوانبه فتتصور فى الواحد بدور أنه حول الشيء فانه حينئذ يحاذى جميع من .
صفحة:روح المعاني24.pdf/35
المظهر