تفسير قوله تعالى : ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ) الخ ٣٣ وقضاءه سبحانه عليهم بدخول النار ليس الا بسبب تكبرهم وكفر هم لسوء اختيار هم المعلوم له سبحانه في الازل و كذا قوله عز وجل لأملان فهناك سببان قريب وبعيد والتعليل بأحدهما لا ينا في التحليل بآخر فتذكر و تدبر . وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَهم إلى الجنة زُمَرًا ) جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم في الفضل ، وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله هو أول زمرة تدخل الجنة من أمتى على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على اشد نجم فى السماء أضاءة ثم هم بعد ذلك منازل ، والمراد بالسوق هنا الحث على المسير للاسراع إلى الاكرام بخلافه فيما تقدم فانه لإهانة الكفرة وتعجيلهم إلى العقاب والآلام واختير للمشاكلة ، وقوله سبحانه: (إلى الجنة) يدفع إيهام الاهانة مع أنه قد يقال: إنهم لما أحبوا لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءهم فلذا حثوا على دخول دار كرامته جل شأنه قاله بعض الاجلة، واختار الزمخشرى أن المراد هنا بسوقهم سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم الاراكبين ، وهذا السوق والحث أيضا للاسراع بهم إلى دار الكرامة * و تعقب بأنه لا قرينة على ارادة ذلك وكون جميع المتقين لا يذهب بهم الاراكبين يحتاج إلى دليل، والاستدلال بقوله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) لا يتم الاعلى القول بأن الوفد لا يكونون الاركانا وأن الركوب يستمر لهم إلى أن يدخلوا الجنة ، وفى الكشف أنه تفسير ظاهر يؤيده الاحاديث الكثيرة ويناسب المقام لأن السوقين بعد فصل القضاء واللطف الخالص في شأن البعض والقهر الخالص في شأن البعض ولا ينافي مقام عظمة مالك الملوك على ما توهم انتهى، وأقول : إن حمل الذين اتقوا على المخلصين فالقول بركوبهم قول قوى وإن حمل على المحترز عن الشرك خاصة ليشمل المخلصين فالقول بذلك قول ضعيف إذ منهم من لا يدخل الجنة الا بعد أن يدخل النار و يعذب فيها، وظاهر كثير من الاخبار أن من هذا الصنف من يذهب إلى الجنة مشيا . ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: « آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشى مرة ويكبو أخرى وتسفعه النار مرة فاذا ما جاوزها التفت اليها فقال تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله تعالى شيئا ما أعطاه أحدا من الاولين والآخرين فترفع له شجرة فيقول : أي رب أدنى من هذه الشجرة فلا ستظل بظلها فأشرب من مائها فيقول الله تعالى: يا ابن آدم لعلى ان أعطيتها سألتني غيرها فيقول: لا يارب ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه الحديث ، وقال بعض العارفين: إن المتقين يساقون إلى الجنة لأنهم قد رأوا الله تعالى فى المحشر فلر غبتهم في رؤيته عز وجل ثانيا لا يحبون فراق ذلك الموطن الذي رأوه فيه ولشدة حبهم وشغفهم لا يكاد يخطر لهم انهم سيرونه سبحانه إذا دخلوا الجنة، والمحبة إذا عظمت فعات بصاحبها اعظم من ذلك وأعظم فكأنها غلبتهم حتى خيلت اليهم أن ذلك الموطن هو الموطن الذى يرى فيه عز وجل وهو محل تجليه على محبيه جل جلاله وعظم نواله فأحجموا عن المسير ووقفوا منتظرين رؤية اللطيف الخبير وغدا لسان حال كل منهم يقول : وقف الهوى بى حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم ويدل على رؤيتهم اياه عز وجل هناك ما فى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: «إن اناسا قالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : يارسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر ؟ قالوا : لا يارسول الله قال: هل تضارون فى الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا قال: م) - - ج - ٢٤- تفسير روح المعانى )
صفحة:روح المعاني24.pdf/33
المظهر