تفسير قوله تعالى: (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم) الخ ١١٥ حتى إذا حضروها ، و (ما) مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور لأنها تؤكد مازبدت بعده فهى تؤكد معنى إذا ، و(إذا) دالة على اتصال الجواب بالشرط لوقوعهما فى زمان واحد ، وهذا مما لا تعلق له بالنحو حتى يضر فيه أن النحاة لم يذكروه ما شنع به أبو حيان وأكد لأنهم ينكرونه ، وفي الكلام حذف والتقدير حتى إذا ماجاؤها وسئلواعها أجرءوا فأنكروا اشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ٢٠) واكتفى عن المحذوف بذكر الشهادة لاستلزامها إياه ، ولا يأبى التقدير تأكيد الاتصال إذ يكفي للاتصال وقوع ذلك في مجلس واحد ، والظاهر أن الجلود هي المعروفة ، وقيل : هى الجوارح كنى بها عنها ، وقيل : كنى بها عن الفروج ، قيل : وعليه أكثر المفسرين منهم ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ، وفي الارشاداته الأنسب بتخصيص السؤال في قوله تعالى ( وَقَالُوا الجُلُودهم لم شهدتم علينا ) فان ما تشهد به من الزنا اعظم جناية وقبحا و اجاب للخزي والعقوبة مما يشهد به السمع والأبصار من الجنايات المكتسبة بتوسطهم او فيه نظر ولعلى إرادة الظاهر أولى ، و لعل تخصيص السؤال بالجلود لأنها بمر أى منهم بخلاف السمع والبصر أو لأنها هي مدركة العذاب بالقوة المودعة فيها كما يشتر به قوله تعالى : ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلو دا غيرها ليذوقوا العذاب) قاله الجابي ، ثم نقل عن العلامة الثاني في ذلك أن الشهادة من الجلود أعجب وأبعد إذ ليس شأنها الادراك بخلاف السمع والبصر ، وتعقبه بقوله : فيه نظر فان الجلد محل القوة اللامسة التي هي أهم الحواس للحيوان كما أن السمع والبصر محل السامعة والباصرة والذي ينطق الأعيان دون الأعراض ثم ان اللامسة تشتمل على الذائقة التي هي الأهم بعد اللامسة، ثم قال : ويلوح مما قررناه وجه آخر للتخصيص فان الأهمية للانسان والاشتمال على أهم من غيرها يصلح أن يكون مخصصا ، فانقلاب ما يرجون منه أكمل النفع أعجب ومثله أحق بالتوبيخ من غيره . واعترض عليه بان رده على العلامة لم يصادف محره إذ ليس المراد مما ذكره من أنها ليس من شأنها الادراك إلا إدراك أنواع المعاصى التي يشهد عليها كالكفر والكذب والقتل والزنا مثلا وإدراك مثلها منحصر فى السمع والبصر وأنت تعلم بعد طى كشح البحث في هذا الجواب أن ماذكره العلامة لا يناسب ظاهر السؤال أعنى (لم شهدتم علينا) وأولى ماقيل من أوجه التخصيص : أن المدافعة عن الجلود أزيد المدافعة عن السمع والبصر فان جلد الانسان الواحد لو جزء ازاد على ألف سمع و بصر وهو يدافع عن كل جزء ويحذر أن يصيبه ما يشينه فكانت الشهادة من الجلود عليهم أعجب وأبعد عن الوقوع . وفي الحديث - إن أول ما ينطق من الانسان فخذه اليسرى ثم تنطق الجوارح فيقول : تبا لك فعنك كنت أدافع ، ووجه إفراد السمع قد مر أول التفسير ، ووجه الاقتصار على السمع والبصر والجاد أشار اليه أبو حيان قال : لما كانت الحواس خمسة السمع والبصر والشم والذوق واللمس وكان الذوق مندرجا في اللمس إذ بماسة جلد اللسان الرطب للذوق يحصل إدراك طعم المذوق وكان . الشم ليس فيه تكليف لا أمر ولا نهى وهو ضعيف اقتصر من الحواس على السمع والبصر واللمس ، وللبحث فيه مجال . وكأني بك تختار أن المراد بالجلود أسوى السمع والأبصار وأن ذكر السمع ما أنه وسيلة إدراك أكثر الآيات التنريلية وذكر الأبصار لما أنها وسيلة إدراك أكثر الآيات التكوينية . حسن
صفحة:روح المعاني24.pdf/115
المظهر