مبحث في تفسير قوله تعالى : (فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة) الخ والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا يعكر على ذلك ما روى عن الصادق أن الله سبحانه خلق في يوم الاحد والاثنين الارضين وخلق أقواتها في يوم الثلاثاء وخلق السموات في يوم الاربعاء ويوم الخميس وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قول الله سبحانه : ( خلق السموات والأرض وما بينها في ستة أيام ) لأنه بعد تسليم صحته المذكور فيه أن الاقوات قد خلقت في يومين لا أنها قدرت و بين الخلق والتقدير بون بعيد ، فخلق الاقوات عبارة عن إيجاد ذاتياتها وموادها وعللها وأسبابها فاذا وجدت قدرت وفصلت على الاطوار المعلومة فلا اشكال . و العجب ممن استشكل هذا المقام كيف لم ينظر في مدلولات الالفاظ الإلهية بحسب القواعد القرآنية واللغوية فاحتاج فى حله الى تكلفات أمور خفية وارتكاب توجيهات غير مرضية ، ثم ان هذا البعض ذكر لليوم ما يزيد على ستين اطلاقا منها المرتبة ونقل هذا عن شيخه ورأيته في بعض الكتب اغيره ، وجوز ارادته في الآية وكذا جوز ارادة غيره من الاطلاقات ، وذكر سركون خلق السموات والارض في ستة أيام وأطال الكلام فى هذا المقام ، وكان ذلك ضمن رسالة ألفها حين طلبت منه جوابا عما يظن من المنافاة غير ما ذكروه من الجواب عن ذلك ، ومن وقف على تلك الرسالة سمع منها قعقعة بلا سلاح وأحس بطيران في جو ما يزعمه تحقيقا بلا جناح فكم فيها من قول لا سند له و مدعى لم يورد دليله، فعليك بالتأمل التام فيما ذكره المفسرون وما ذكره هذا الرجل من الكلام ولاتك للانصاف مجانبا وللتعصب مصاحبا والله تعالى الموفق . وما تقدم من حمل قوله تعالى : (قالنا أتينا طائعين ( على التمثيل هو ما ذهب اليه جماعة من المفسرين ، وقالت طائفة : أنهما نطقتا نطقا حقيقيا وجعل الله تعالى لهما حياة وادراكا ، قال ابن عطية : وهذا أحسن لأنه لا شيء يدفعه وان العبرة فيه أتم والقدرة فيه أظهر ، ولا يخفى أن المعنى الأول أبلغ ، ومن ذهب إلى أن الجمادات ادرا كا لاتقا بها قال بظاهر الآية ولعلها احدى أدلته على ذلك . وذكر بعضهم في قوله سبحانه : ( وأوحى في كل سماء أمرها ( أنه سبحانه خص كل سماء بما ميزها عن السماء الأخرى من الذاتيات وجعل ذلك وجها في جمع السموات وافراد الأرض . وقرأ الأعمش ( أو كرها ) بضم الكاف ، قال أبو حيان : والأصبح أنها لغة فى الاكراه على الشيء ، والاكثر على ان السكره بالضم معناه المشقة ( فان اعرضوا ) متصل بقوله تعالى : ( قل أتنكم) الخ أى فان أعرضوا عن التدبر فيما ذكر من عظائم الأمور الداعية إلى الايمان أو عن الايمان بعد هذا البيان ( فَقُلْ لهم : ( أنذرتُكُمْ ) أى أنذركم ، وصيغة الماضى للدلالة على تحقق الانذار المني عن تحقق المنذر ) صاعقة مثل صاعقه عاد وثمود (١٣) أى عذابا مثل عذابهم قاله قتادة ، وهو ظاهر على القول بأن الصاعقة تأتى فى اللغة بمعنى العذاب ، ومنع ذلك بعضهم وجعل ماذكر مجازا ، والمراد عذابا شديد الوقع كأنه صاعقة مثل صاعقتهم ، وأيا ما كان فالمراد أعلمتكم حلول صاعقة . وقرأ ابن الزبير . والسلمى . وابن محيصن ( صعقة مثل صعقة ( بغير ألف فيهما وسكون العين وهي المرة الصعق أو الصعق ويقال : صعقته الصاعقة صعقا فصعق صعقا بالفتح أي ملك بالصاعقة المصيبة له ) إذ جاءتهم الرسل) أي جاءت عادا وثمود ففيه اطلاق الجمع على الاثنين وهو شائع وكذا (الرسل ) "
صفحة:روح المعاني24.pdf/109
المظهر