بعد بيان أن الأرض خلقت قبل السماء إلى السماء فسواهن سبع سموات) وأول آية النازعات أعنى قوله تعالى: ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والارض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاهما و الجبال أرساها متاعا لكم ولا نعامكم لما أن ظاهره يدل على تأخر خلق الارض ومافيها من الماء والمرعى والجبال لأن ذلك إشارة إلى السابق وهو رفع السمك والتسوية، والأرض منصوب بمضمر على شريطة التفسير أى ودحا الارض بعد رفع السماء وتسويتها دحاها الخ بأن الارض منصوب مضمر نحو تذكر و تدبر أو اذكر الارض بعد ذلك لا بمضمر على شريطة التفسير أو به وبعد ذلك اشارة إلى المذكور سابقا من ذكر خلق السماء لا خلق السماء نفسه ليدل على أنه متأخر في الذكر عن خلق السماء تنبيها على أنه قاصر في الأول لكنه تتميم ما تقول جملا ثم تقول . ذلك كيت وكيت وهذا كثير في استعمال العرب والعجم، وكأن بعد ذلك بهذا المعنى عكسه إذا استعمل لتراخي الرتبة والتعظيم وقد تستعمل ثم أيضا بهذا المعنى وكذا القاء ، وبعضهم يذهب في الجواب إلى ماقاله ابن عباس. فقد روى الحاكم والبيهقى باسناد صحيح عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال: رأيت أشياء تختلف على في القرآن قال: مات ما اختلف عليك من ذلك فقال: اسمع الله تعالى يقول: (أتنكم لتكفرون بالذى خلق الارض - حتى بلغ - طائعين فبدأ بخلق الارض فى هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال سبحانه في الآية الأخرى: (أم السماء بناها - ثم قال و الأرض بعد ذلك دحاها) فبدأ جل شأنه بخلق السماء قبل خلق الارض . فقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : أما خلق الارض فى يومين فان الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الارض، وأما قوله تعالى: (والارض بعد ذلك دحاها) يقول جعل فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيه اشجرا وجعل فيها بحورا انتهى ، قال الخفاجي: يعنى أن قوله تعالى : (أخرج منها ماءها) بدل أو عطف بيان لدحاها : ا بمعنى بسطها ميين المراد منه فيكون تأخرها في هذه الآية ليس بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به فان البعدية ما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الاخير وقيده المذكور كما لو قلت: بعثت اليك رسولا ثم كنت بعثت فلانا لينظر ما يبلغه فبعت الثانى وان تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر عنه فجعل نفسه متأخرا . فان قلت : كيف هذا مع ما رواه ابن جرير وغيره و صححوه عن ابن عباس أيضا أن اليهودأنت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسألته عن خلق السموات والارض فقال عليه الصلاة والسلام: «خلق الله تعالى الارض يوم الاحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الاربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة فقال تعالى : (أنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم و الشمس والقمر والملائكة فانه يخالف الاول لاقتضائه خلق ما في الارض من الاشجار والأنهار ونحوها قبل خلق السماء قلت : الظاهر حمله على انه خاق فيما ذكر مادة ذلك وأصوله اذ لا يتصور العمران والخراب قبل خلق السماء فعطفه عليه قرينة لذلك فلا تعارض بين الحديثين ما أنه ليس بين الآيات اختلاف انتهى كلام الخفاجي ، ولا يخفى أن قول ابن عباس ( م - ١٤ - ج - ٢٤ - تفسير روح المعانى )
صفحة:روح المعاني24.pdf/105
المظهر