انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني15.pdf/56

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٥٦
تفسير روح المعاني

٥٦ تفسير روح المعاني ان في بابه فانه يوصف بالكرم، وجعل ذلك بعض المحققين من وصف الشيء باسم صاحبه أى قولا صادراً كرم ولطف ويعود بالآخرة إلى القول الجميل الذى يقتضيه حسن الأدب ويستدعيه النزول على المروءة مثل أن يقول يا أبتاه و يا أماه ولا يدعوها بأسمائهما فانه من الجفاء وسوء الأدب ، وليس القول الكريم مخصوصا بذلك كما يوهمه اقتصار الحسن فيها أخرجه عنه ابن أبي حاتم عليه فانه من باب التمثيل ، وكذا ما أخرج عن أنه قال فيه: إذا دعواك فقل لبيكما وسعد يكما . زهير بن محمد وأخرج هو وابن جرير . وابن المنذر عن أبى الهداج أنه قال : قلت لسعيد بن المسيب كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من - الوالدين فقد عرفته إلا قوله سبحانه : ( وقل لهما قولا كريما ماهذا القول الكريم ، فقال ابن المسيب قول العبد المذنب للسيد الفظ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل ) أى تواضع لهما وتذلل وفيه وجهان. الأول أن يكون على معنى جناحك الذليل ويكون ( جناح الذل) بل خفض الجناح تمثيلا في التواضع وجازان يكون استمارة في المفرد وهو الجناح ويكون الخفض ترشيحا تبعيا أو مستقلا ، الثانى أن يكون من قبيل قول لبيد : ناشئة وغداة ربح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فيكون في الكلام استعارة مكنية وتخييلية بان يشبه الذل بطائر منحط من علو تشبيها مضمراً و يثبت له الجناح تخييلا والخفض ترشيحا فان الطائر إذا أراد الطيران والعلو نشر جناحيه ورفعهما ليرتفع فاذا ترك ذلك خفضهما ، وأيضا هو إذا رأى جارحا يخافه لصق بالأرض وألصق جناحيه وهى غاية خوفه وتذلله، وقيل المراد بخفضهما ما يفعله إذا ضم فراخه للتربية وأنه أنسب بالمقام ، وفى الكشف أن في الكلام استعارة بالكناية من جعل الجناح الذل ثم المجموع كما هو مثل فى غاية التواضع ولما أثبت لذله جناحا أمره بخفضه تكميلا وما عسى يختلج في بعض الخواطر من أنه لما أثبت لذله جناحا فالأمر برفع ذلك الجناح أباغ في تقوية الذل من خفضه لأن كمال الطائر عند رفعه فهو ظاهر السقوط إذا جعل المجموع تمثيلا لأن الغرض تصوير الذل كأنه مشاهد محسوس ، وأما على الترشيح فهو وهم لأن جعل الجناح المخفوض للذل يدل على التواضع وأما جعل الجناح وحده فليس بشيء ولهذا جعل تمثيلا فيما سلف . وقرأ سعيد بن جبير (من الذل) بكسر الذال وهو الانقياد وأصله فى الدواب والنعت منه ذلول وأما الذل بالضم فأصله في الانسان وهو ضد العز والنعت منه ذليل من الرحمة ) أى من فرط رحمتك عليهما فمن ابتدائية على سبيل التعليل ، قال في الكشف ولا يحتمل البيان حتى يقال لو كان كذا الرجعت الاستعارة إلى التشبيه إذ جناح الذل ليس من الرحمة أبداً بل خفض جناح الذل جاز أن يقال إنه رحمة وهذا بين ، واستفادة المبالغة من جعل جنس الرحمة مبدأ للتذال فانه لا ينشأ إلا من رحمة تامة، وقيل من كون التعريف للاستغراق وليس بذاك، وإنما احتاجا إلى ذلك لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه غاية الضراعة والمسكنة فيحتاج إلى أشد رحمة ، ولله تعالى در الخفاجي حيث يقول : يا من أتي يسأل عن فاقتى ما حال من يسال من سائله ماذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجا إلى عامله