انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني15.pdf/49

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٤٩

فقد روی مبحث في تفسير قوله تعالى: (انظر كيف فضلنا ) الخ ٤٩ أرى الذى في وجوهكم فان كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم دعى القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم أما والله لما سبقولم به من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذى تنافسون عليه. وفى الكشاف أنه قال: إنما أتينا من قبلنا أنهم دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله تعالى لهم فى الجنة أكبر. وقرى (أكثر تفضيلا) بالثاء المثلثة، هذا وجوز أن يراد بمابه الامداد العطايا العاجلة فقط، وحمل القصر المذكور على دفع توهم اختصاصها بالفريق الأول فان تخصيص إرادتهم لها ووصولهم اليها بالذكر من غير تعرض لبيان النسبة بينها وبين الفريق الثاني إرادة ووصولا ما يوهم اختصاصها بالأولين فالمعنى كل الفريقين نمد بالعطايا العاجلة لا من ذكرنا إرادته لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسع وما كان عطاؤه الدنيوي محظورا من أحد ممن يريد و ممن يريد غيره انظر كيف فضلنا في ذلك العطاء بعض كل من الفريقين على بعض آخر منهما والآخرة الخ، و إلى نحو هذا ذهب الحسن . وقتادة عنهما أنهما قالا : فى معنى الآية إن الله تعالى يرزق فى الدنيا مريدى العاجلة الكافرين ومريدى الآخرة المؤمنين و يمد الجميع بالرزق ، وذكر الرزق من بين ما به الامداد قيل على سبيل التمثيل، وقيل تخصيص لدلالة السياق. وجوز أن يكون المراد به معناه اللغوى فيتناول الجاه و نحوه كما يقال السعادة أرزاق، واعتبر الجمهور عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأول تحقيقا لشمول الامداد له حيث قالوا : لا يمنعه من عاص لعصيانه. واعترض بانه يقتضى كون القصر لدفع توهم اختصاص الامداد الدنيوى بالفريق الثانى مع أنه لم يسبق في الكلام ما يوهم ثبوته له فضلا عن ايهام اختصاصه وفيه تأمل ، وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن معنى ( من عطاء ربك) الطاعات ويمد بها مريد الآخرة والمعاصى ويمد بها مريد العاجلة فيكون العطاء عبارة عما قسم الله تعالى للعبد من خير أو شر، وأنت تعلم أنه يبعد غاية البعد إرادة المعاصى من العطاء ولعل نسبة ذلك للحبر غير صحيحة فلا تغفل . واعلم أن التقسيم الذي تضمنته الآية غير حاصر وذلك غير مضر والتقسيم الحاصر أن كل فاعل إما أن يريد بفعله العاجلة فقط أو يريد الآخرة فقط أو يريدهما معاً أو لم يرد شيئاً والقسمان الأولان قد علم حكمهما من الآية ، والقسم الـ م الثالث ينقسم إلى ثلاثة أقسام لأنه اما تكون إرادة الآخرة ارجح أو تكون مرجوحة أو تكون الارادتان متعادلتين ، وفى قبول العمل في القسم الأول بحث عند الامام قال : يحتمل عدم القبول لما روى عن رب العزة جل شأنه «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيرى تركته وشركه». ويمكن أن يقال: إذا كانت ارادة الآخرة راجحة على ارادة الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد خالصا للاخرة فيجب كونه مقبولا، والى عدم القبول ذهب العز بن عبد السلام، ومال إلى القول باصل الثواب حجة الاسلام الغزالي حيث قال: لو كان اطلاع الناس مرجحا أو مقويا لنشاطه ولو فقد لم تترك العبادة ولو انفرد قصد الرياء لما أقدم فالذى نظنه والعلم . عند الله تعالى انه لا يحبط أصل الثواب ولكنه يعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب، وهذا ظاهر فى أن الرياء ولو محرما لا يمنع أصل الثواب : عنده إذا كان باعث العبادة أغلب ، وذكر ابن حجر أن الذى يتجه ترجيحه أنه متى كان المصاحب بقصد العبادة رياء مباحا لم يقتض اسقاط ثوابها من أصله بل يثاب على مقدار قصد العبادة وإن ضعف أو محرما اقتضى سقوطه ، من أصله للاخبار ، وقوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) قد لا يعكر على ذلك لأن تقصيره بقصد المحرم (م) - - ج - ١٥ - تفسير روح المعانى) من