مبحث في تفسير قوله تعالى ( وما كنا معذبين ) الخ هو ٢٩ وهو ثبوت الشرع لأن معنى الثبوت به هو الثبوت بالاخبار عن الله تعالى حقيقة أو حكما وعلى هذا لا يتأتى الترديد الذي ذكره بقوله لأن ذلك الشرع أما أن يكون الخ فليتأمل، وعن الثاني بأن وجوب الاحتراز عن العقاب ليس أمرا أجنبيا عن وجوب كذا حتى يتوجه عليه الترديد الذي ذكره بل هو نفس وجوب كذا أو لازمه إذ الاحتراز ليس إلا بالاتيان بكذا الذى . الواجب فوجوب الاحتراز اما وجوب كذا أو لازمه فوجوبه بوجوبه فلا يلازم الترديد المذكور ، وعن الثالث بأنه ان أراد بقوله إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب أن حصول الواجب في الخارج بالاتيان به إنما هو بسبب حصول الخوف فليس الكلام فيه ومع ذلك انا لا نسلم أن الاتيان بالواجب متوقف على حصول الخوف وان أراد أن تحقق وجوب الواجب أى تعلق وجوبه بالمكلف الذى هو التكليف التنجيزي متوقف على حصول الخوف المذكور فهو ممنوع كما هو ظاهر اه فتدبر * وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على تقدير تمامه لا يختص بالمعتزلة بل يشاركهم في ذلك أحد فريقى الحنفية من أهل السنة وهم الماتريدية وعامة مشايخ سمر قند لانهم وإن لم يقولوا كالمعتزلة بأن العقل حاكم بالحسن و القبح اللذين أثبتوهما جميعا لكنهم قالوا: إن العقل آلة للعلم بهما فيخلقه الله تعالى عقيب نظر العقل نظرا صحيحا وأوجبوا الايمان بالله تعالى وتعظيمه وحرموا نسبة ماهو شنيع اليه سبحانه حتى روى عن أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه أنه قال : لو لم يبعث الله تعالى رسولا لوجب على الخلق معرفته، وقد صرح غير واحد من علمائهم بأن العقل حجة من حجج الله تعالى ويجب الاستدلال به قبل ورود الشرع، واحتجوا في ذلك بما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله لابيه وقومه إلى أراك وقومك في ضلال مبين ) حيث قال ذلك ولم يقل أوحى إلى و من استدلاله بالنجوم و معرفة الله تعالى بها و جعلها حجة على قومه وكذاك كل الرسل حاجو أقو مهم بحجج العقل كما ينبئ عنه قوله تعالى (قالت رسلهم أفي لله شك فاطر السموات والأرض) الآية ويقوله تعالى (ومن يدع مع الله الها آخر لا برهان له به) الآية حيث لم يقل ومن يدع مع الله الها آخر بعد ما أوحى اليه أو بلغته الدعوة وبقوله سبحانه خبرا عن أهل النار وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير حيث أخبر وا أنهم صاروا في النار لتركهم الانتفاع بالسمع والعقله وفيه أنهم لو انتفعوا بالعقول في معرفة الصانع قبل ورود الشرع لم يصيروا في النار وبأن الحجج السمعية لم تكن حججا الا باستدلال عقلى وبأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف الا بدليل عقلى وآيات الانفس والآفاق أدل على الصانع من دلالة المعجزة على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية معرفة المعجزة كان به كفاية معرفة الله تعالى من طريق الأولى، وبأن دعاء جميع الكفرة إلى دين الاسلام واجب على الامة ومعلوم أن الدهرية لا يحتج عليهم بكلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يبق الاحجج العقول إلى غير ذلك، وحينئذ يقال لهم : لو وجب على الخلق معرفة الله تعالى والايمان به قبل بعثه رسول لزم تعذيب الكافر قبلها لاخباره تعالى بأنه لا يغفر الشرك به وقد نفى التعذيب في الآية فلا وجوب ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم على نهج ما فعل مع المعتزلة، والامام الرازي بعد ان ضعف الاستدلال بالآية وأثبت الوجوب العقلى ذكر في الآية وجهين، الأول حمل الرسول على العقل، والثاني تخصيص العموم بأن يقال المراد ( وما كنا معذبين) في الاعمال التي لا سبيل إلى
صفحة:روح المعاني15.pdf/39
المظهر