بحث في قوله تعالى : ( النبي الأمي ) V9 أي الذي أنبأ الخلق عن الله تعالى فالاول تعتبر فيه الاضافة إلى الله تعالى والثانى تعتبر فيه الاضافة إلى الخلق، وقدم الأول عليه لشرفه وتقدم ارسال الله تعالى له على تبليغه ، والى هذا ذهب بعضهم ، وجعلوا اشارة إلى أن الرسول والتي هنا مراد بهما معناهما اللغوى لاجرائها على ذات واحدة كما أنهما كذلك في قوله تعالى: (وكان رسولا نبيا ) ، وفسر فى الكشاف الرسول بالذي يوحى اليه كتاب والنبي بالذي له معجزة ، ويشير إلى الفرق بين الرسول والنبي بأن الرسول من له كتاب خاص والنبي أعم . وتعقبه في الكشف بأن أكثر الرسل لم يكونوا أصحاب كتاب مستقل كاسمعيل . ولوط . والياس عليهم السلام وكم وكم ثم قال : والتحقيق أن النبي هو الذي ينبئ عن ذاته تعالى وصفاته وما لا تستقل العقول بدرايته ابتداء بلا واسطة بشر، والرسول المأمور مع ذلك باصلاح النوع ، فالنبوة نظر فيها الى الانباء عن الله تعالى والرسالة إلى المبعوث اليهم، والثاني وإن كان أخص وجودا إلا أنهما مفهومان مفترقان ولهذا لم يكن رسولا نبيا مثل انسان حیواناه * وفيه مخالفة بينة لما ذكر أولا، ولا حجر في الاعتبار . نعم ما ذكروه مدفوع بأن الفرق المذكور مع تغاير المفهومين على كل حال من عرف الشرع والاستعمال ، واما في الوضع والحقيقة اللغوية فهما عامان . وقد ورد في القرآن بالاستعمالين فلا تعارض بينهما . هو صفة ولا يرد أن ذكر النبي العام بعد الخاص لا يفيد والمعروف فى مثل ذلك العكس ، ولا يخفى أن المراد بهذا وهيد أنه الرسول النبي نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم (الامى) أى الذى لا يكتب ولا يقرأ، وهو على ماقال الزجاج نسبة إلى أمة العرب لأن الغالب عليهم ذلك . وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » أو إلى أم القرى لأن أهلها كانوا كذلك ، ونسب ذلك إلى الباقر رضى الله تعالى عنه أو إلى أمه كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها ، ووصف عليه الصلاة والسلام بذلك تنبيها على أن كمال علمه مع حاله احدى معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم فهو بالنسبة اليه - بأبي هو وأمي ـ عليه الصلاة والسلام مدح ، وأما بالنسبة إلى غيره فلا ، وذلك كصفة التكبر فانها صفة مدح لله عز وجل وصفة ذم لغيره . واختلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدر عنه الكتابة فى وقت أم لا ؟ فقيل : نعم صدرت عنه عام الحديبية فكتب الصلح وهى معجزة أيضا له صلى الله تعالى عليه وسلم وظاهر الحديث يقتضيه ، وقيل : لم يصدر عنه أصلا وإنما أسندت اليه في الحديث مجازا . وجاء عن بعض أهل البيت رضى الله تعالى عنهم كان تنطق له الحروف المكتوبة إذا نظار فيها، ولم أر لذلك سندا يعول عليه ، وهو صلى الله تعالي عليه وسلم فوق ذلك . نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثنى عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال : «مامات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى قرأ وكتب فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال : صدق سمعت أصحابنا يقولون ذلك ، وقيل : الامى نسبة إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب ، ويؤيده قراءة يعقوب ) الأمى ) بالفتح وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضا ، والموصول في محل جر بدل من الموصول الأول ، هو أما بدل كل على أن المراد منه هؤلاء المعهودين أو بعض على أنه عام ويقدر حينئذ منهم ، وجوز أن يكون نعتاله ، ويحتمل أن يكون في محل نصب على القطع وإضمار ناصب له ، وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقيل : على أنه مبتدأ خبره جملة (يأمرهم) أو (أولئك هم المفلحون)
صفحة:روح المعاني09.pdf/79
المظهر