انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني06.pdf/89

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٨٩

من مبحث في (قبم) نقضهم ميثاقهم لعناهم) الخ ٨٩ وقوله تعالى : ( منكم ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( كفر) ، ولعل تغيير السبك حيث لم يقل وإن كفرتم عطفا على الشرطية السابقة - كما قال شيخ الاسلام لاخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإسقاط كفر عن رتبة الخطاب، ثم ليس المراد بالكفر إحداثه بعد الايمان ، بل ما يعم الاستمرار عليه أيضاً كأنه قيل: فمن اتصف بالكفر بعد ذلك إلا أنه قصد بإيراد ما يدل على الحدوث بيان ترقيهم في مراتب الكفر فان الاتصاف بشيء بعد ورود ما يوجب الاقلاع عنه ، وإن كان استمراراً عليه لكن بحسب العنوان فعل جديد وصنع حادث فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ١٢ ) أى وسط الطريق وحاقه ضلالا لاشبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك إذ ربما يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم عذر . ارده فيما نقضهم ميشقهم ) أى بسبب نقضهم ميثاقهم المؤكد لا بشئ آخر استقلالا وانضماما ، فالباء سببية، و ( ما ) مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه فى النفس ، أو بمعنى شئ ما قال أبو البقاء ، والجار متعلق بقوله تعالى: لعنهم ) أى طردناهم و أبعد ناهم من رحمتنا عقوبة لهم - قاله عطاء . وجماعة ـ وعن الحسن . ومقاتل أن المعنى مسخناهم قردة وخنازير ، وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عذبناهم بضرب الجزية عليهم ، ولا يخفى أن ما قاله عطاء أقرب إلى المعنى الحقيقى لأن حقيقة اللعن في اللغة الطرد والابعاد فاستعماله في المعنيين الأخيرين مجاز باستعماله في لازم معناه ، وهو الحقارة بما ذكر لكنه لا قرينة فى الكلام عليه ، وتخصيص البيان بما ذكر مع أن حقه أن يبين بعد بيان تحقق اللعن والنقض بأن يقال مثلا : فنقضوا ميثاقهم فلعناهم ضرورة تقدم هلية الشئ البسيطة على هليته المركبة - ما قال شيخ الاسلام - للايذان بأن تحققهما أمر جلى غنى عن البيان ، وإنما المحتاج إلى ذلك ما بينهما من السببية والمسبية ) وجعلنا قلوبهم قسية ( يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تلين - قاله ابن عباس رضى الله تعالى عنهما - * وقيل : المراد سلبناهم التوفيق واللطف الذي تنشرح به صدورهم حتى - ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون - وهذا ما تقول لغيرك : أفسدت سيفك إذا ترك تعاهده حتى صدى ، وجعلت أظافيرك سلاحك إذا لم يقصها، وقال الجبائي : المعنى بينا عن حال قلوبهم وماهى عليه من القساوة وحكمنا بأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم موعظة، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وما دعا اليه إلا الاعتزال، وقرأ حمزة والكسائي قسية ، وهى إما مبالغة قاسية لكونه على وزن فعيل ، أو بمعنى ردية من قولهم : در هم قسى إذا كان مغشوشاً ، ، وهو أيضا من القسوة ، فان المغشوش فيه يبس وصلابة ، وقيل : إن قسى غير عربي بل معرب ، وقرئ - قسية - بكسر القاف للاتباع يحرفُونَ الكلم عن مواضعه ) استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم فانه لا مرتبة أعظم ما ينشأ عنه الاجتراء على تحريف كلام رب العالمين والافتراء عليه عز وجل، والتعبير بالمضارع للحكاية واستحضار الصورة، وللدلالة على التجدد والاستمرار ، وجوز أن يكون حالا من مفعول (لعناهم) ، أو من المضاف اليه في قلوبهم وضعف بما ضعف ، وجعله حالا من القلوب ، أو من ضميره فى ( قاسية ) كما قيل ، لا يصح لعدم العائد منه إلى ذى الحال ، وجعل القلوب بمعنى أصحابها ما لا يلتفت اليه أصحابها ( ونسوا حظا ) أى وتركوا نصيباً وافياً ، واستعمال النسيان بهذا المعنى كثير ما ذكروا بهم من التوراة أو ما أمروا به فيها من اتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ( ١٢٢ - ج 1 - تفسير روح المعاني )