٨٠ تفسير روح المعاني فلا يكون النص بذلك موجباً للنية المعتبرة ، ومن هنا يعلم مافي استدلال - بعض الشافعية باآية الرضوء على وجوب النية فيه السابق آنفاً ، وذلك لأن المفاد بالتركيب المقدر إنما . هو وجوب الغسل لأجل إرادة الصلاة الحدث لا إيجاب أن يغسل لأجل الصلاة إذ عقد الجزاء الواقع طلباً بالشرط يفيد طلب مضمون الجزاء فعله على إذا تحقق مضمون الشرط ، وأن وجوبه ! و به اعتبر مسباً عن ذلك ، فأين طلبه على وجه مخصوص هو قصد كونه لمضمون الشرط فتأمل ، فقد خفى هذا على بعض الأجلة حتى لم يكافئه بالجواب ، والوجه الثاني بانه إن أريد بالحالة المخصوصة حالة الصلاة فهو مبنى على أن الارادة مرادة فى الجملة المعطوفة عليها جملة التيمم. وأنت قد علمت الآن أن لا دلالة فيها على اشتراط النية ، وإن أريد حالة عدم القدرة على استعمال الماء فظاهر أن ذلك لا يقتضى إيجاب النية ولا نفيها ، واستفاد كون الماء طهوراً بنفسه مما ذكر بأن كون المقصود من إنزاله التطهير به ، وتسميته طهوراً لا يفيد اعتباره مطهراً بنفسه أى رافعاً للأمر الشرعي بلانية، وهو المطلوب بخلاف إزالته الخبث لأن ذلك محسوس أنه مقتضى طبعه ولا تلازم بين إزالته حساً صفة محسوسة وبين كونه يرتفع عند استعماله اعتبار شرعى ، والمفاد من ( ليطهركم) كون المقصود من إنزاله التطهير به ، وهـذا يصدق مع اشتراط النية - كما قال الشافعى رضى الله تعالى عنه - وعدمه كما قلنا ، ولا دلالة للاعم على أخص بخصوصه كما هو المقرر فتدبر . واختلفوا أيضاً في أنها هل تقتضى وجوب الترتيب أم لا ؟ فذهب الحنفية إلى الثاني لأن المذكور فيها الواو وهي لمطلق الجمع على الصحيح المعول عليه عندهم، والشافعية إلى الأول لأن الفاء في ـ اغسلوا ـ للتعقيب فتفيد تعقيب القيام إلى الصلاة بغسل الوجه ، فيلزم الترتيب بين الوجه . وغيره ، فيلزم فى الكل لعدم القائل بالفصل . وأجيب بأنا لانسلم إفادتها تعقيب القيام به بل جملة الأعضاء وتحقيقه أن المعقب طلب الغسل وله متعلقات وصل إلى أولها ذكراً بنفسه وإلى الباقى بواسطة الحرف المشترك فاشتركت كلها فيه من غير إفادة طلب تقديم تعليقه يبعضها على بعض في الوجود ؛ فصار مؤدى التركيب طلب إعقاب غسل جملة الأعضاء ، وهذا نظير قولك : ادخل السوق فاشتر لنا خبزاً و لحما حيث كان المفاد أعقاب الدخول بشراء ماذكر كيفما وقع وزعم به عضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لا وجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول ، ولأنهم يقدمون الأهم فالاهم ، وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك ، وقال آخرون: الدليل على الترتيب فعله صلى الله تعالى عليه وسلم فقد توضأ عليه الصلاة والسلام مرتباً ، ثم قال : « هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به ، وفيه أن الإشارة كانت لوضوء مرتب موالى فيه. فلو دل على فرضية الترتيب لدل على فرضية الموالاة ولا قائل بها عند الفريقين، نعم أقوى دليل لهم قوله الا الله في حجة الوداع : « ابدأوا بما بدأ الله تعالى به ، بناءاً على أن الأمر للوجوب ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وأجيب عن ذلك بما أجيب إلا أن الاحتياط لا يخفى ، وهذا المقدار يكفي في الكلام على هذه الآية ، والزيادة - على ذلك ببيان سنن الوضوء ونواقضه وما يتعلق به - عما لا تفهمه الآية كما فعل بعض المفسرين - فضول لافضل ، وإظهار علم يلوح من خلاله الجهل ( وإن كُنتُم جنبا ) أي عند القيام إلى الصلاة ( فاطهروا ) أي فاغتسلوا على أتم وجه، وقرئ ( فاطهروا ) أي فطهروا أبدانكم، والمضمضة والاستنشاق هنا فرض كغسل سائر البدن لانه سبحانه أضاف التطهير إلى مسمى الواو ، وهو جملة بدن كل مكلف ، فيدخل كل ما يمكن الايصال اليه
صفحة:روح المعاني06.pdf/80
المظهر