مبحث في (أوفوا بالعقود (حلت لكم بهيمة الانعام)
٤٩ إلا تعاونوا على البر والتقوى) و (اعدلوا هو أقرب للتقوى) لكفى، وتعقب بما لا يخلو عن نظر وزعم بعضهم أن فيه نزع الخف قبل الوصول إلى الماء ، وما استظهره الزمخشري خال عن ذلك. والأم فيه هين ، وفى القول بالعموم رغب الراغب - ما هو الظاهر - فقد قال : العقود باعتبار المعقود ، والعاقد ثلاث أضرب ، عقد بين الله تعالى وبين العبد ، وعقد بين العبد و نفسه ، وعقد بينه وبين غيره من البشر ، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان ضرب أوجبه العقل وهو ماركز الله تعالى معرفته فى الانسان فيتوصل اليه إما يبديه العقل ، وإما بأدنى نظر دل عليه قوله تعالى : (وإذ أخذ ربك من بني آدم) الآية، وضرب أوجبه الشرع وهو مادلنا عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم فذلك ستة أضرب، وكل واحد من ذلك إما أن يلز. ابتداء أو يلزم بالتزام الانسان إياه، والثانى أربعة أضرب فالأول واجب الوفاء كالنذور المتعلقة بالقرب نحو أن يقول : على أن أصوم إن عافانى الله تعالى، والثانى مستحب الوفاء به ويجوز تركه كمن حلف على ترك فعل مباح فان له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك ، والثالث يستحب ترك الوفاء به ، وهو ما قال : إذا حلف أحدكم على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذى هو خير منه وليكفر عن يمينه » ، والرابع واجب ترك الوفا به نحو أن يقول: على أن أقتل فلانا المسلم ، فيحصل من ضرب سنة في أربعة أربعة وعشرون ضربا ، وظاهر الآية يقتضى كل عقد سوى ماكان تركه قربة أو واجبا فافهم ولا تغفل ( أحلَّتْ لَكُم بهيمة الأنعام ) شرود في تفصيل الاحكام التى أمر بإيفاتها ، وبدأ سبحانه بذلك لانه مما يتعلق بضروريات المعاش، و البهيمة من ذوات الارواح مالا عقل له مطلقا ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وسمى (بهيمة) لعدم تمييزة وإبهام الامر عليه . ونقل الامام الشعراني عن شيخه على الخواص قدس سره ان سبب : تسمية البهائم بهائم ليس إلا لكون أمر كلامها وأحوالها أبهم على غالب الخلق لا أن الامر أبهم عليها ، وذكر ما يدل على عقلها وعلمها ، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى . ° وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذى أربع من دواب البر والبحر ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز أى أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام ، وهى الازواج الثمانية المذكورة فى سورتها ، واعترض بأن البهيمة اسم جنس ، والأنعام نوع منه ، فإضافتها إليه كإضافة حيوان إنسان وهى مستقبحة ، وأجيب بأن إضافة العام إلى الخاص إذا صدرت من بليغ وقصد بذكره فائدة فحسنة - كمدينة بغداد - فان لفظ بغداد لما كان غير عربي لم يعهد معناه أضيف اليه مدينة لبيان مسماه و توضيحه - وكشجر الأراك - فانه لما كان الأراك يطلق على قضبانه أضيف لبيان المراد وهكذا وإلا فلغو زائد مستهجن ، وهنا لما كان الأنعام قد يختص بالإبل إذهو أصل معناه على ماقيل ، ولذا لا يقال : النعم إلا لها أضيف اليه بهيمة إشارة إلى ماقصد به ، وذكر البهيمة وإفرادها لارادة الجنس ، وجمع الأنعام ليشمل أنواعها وألحق بها الظباء وبقر الوحش ، وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام فى الاجترار وعدم الأنياب ، وروى ذلك عن ا الكلبي . والفراء ، وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما ، وجوز بعض المحققين فى إضافة المشبه للمشبه به كونها بمعنى اللام على جعل ملابسة المشبه اختصاصا بينهما ، أو بمعنى من البيانية على جعل المشبه نفس المشبه به ، وفائدة هذه الإضافة هنا الإشعار بعلة الحكم المشتركة بين المتضايفين كأنه قيل : أحلت لكم البهيمة المشبهة بالأنعام التي بين إحلالها فيما سبق لكم المماثلة لها فى مناط الحكم ، وقيل : المراد بيبهيمة الأنعام ما يخرج من بطونها من ال (م ٧ - ج ٦ - تفسير روح المعاني ) الأجنة بعد ذكاته