انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني06.pdf/40

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٤٠
تفسير روح المعاني

٤٠ تفسير روح المعانى يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل ، فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة إذ لم يستلزم. الأول الآخر ، فصار الكلام على هذا التقدير متجدد الفائدة متزائدها ، ومتى كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز لأنه الغاية في البلاغة . تأخيره وبهذه النكتة يجب أن تقول : لا تؤذ مسلما . ولاذمياً ، فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية لأنك إذا نهيته عن أذى المسلم فقد يقال ذاك من خواصه احتراما لدين الاسلام ، فلا يلزم من ذلك نهيه عن أذى الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية ، فاذا قلت : ولا ذمياً فقد جددت فائدة لم تكن في الأول وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى إلى النهى عن أكثر منه ، ولور تبت هذا المثال كترتيب الآية فقلت : لا تؤذ ذمياً فهم المنهى أن أذى المسلم أدخل في النهى إذ يساوى الذمى فى سبب الالتزام وهو الإنسانية مثلا ، ويمتاز عنه بسبب هو أجل وأعظم وهو الاسلام ، فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهى آخر عن أذى المسلم ، فان قلت : ولا مسلماً لم تجدد له فائدة ولم تعلمه غير ما أعلمته أولا ، ، فقد علمت أنها نكتة واحدة توجب أحياناً تقديم الأعلى وأحياناً ه ، ولا يميز لك ذلك إلا السياق، وما أشك أن سياق الآية يقتضى تقديم الأدنى وتأخير الأعلى ، ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى : ( ولا تقل لهما أف ( استغناءاً عن نهيه عن ضربهما فما فوقه بتقديم الأدنى ، ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن يريد نهياً عن أعلى من التأفيف والانتهار لأنه مستغنى عنه ، وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهداً سواها ، ولما اقتضى الانصاف تسليم اقتضاء الآية لتفضيل الملائكة ، وكان القول بتفضيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتقادا لأكثر أهل السنة . والشيعة التزم حمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف ، وذلك تفضيل الملائكة فى القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتداره وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية لأن المقصود الرد على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام مستندين إلى كونه أحيا الموتى . وأبرأ الاكمه . والابرص ، وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة ، فناسب ذلك أن يقال : هذا الذي صدرت على يديه هذه الخوارق لا يستنكف عن عبادة الله تعالى بل من هو أكثر خوارق وأظهر آثاراً كالملائكة المقربين الذين من جملتهم جبريل عليه السلام ، وقد بلغ من قوته وإقدار الله تعالى له أن أقتلع المدائن واحتملها على ريشة من جناحه فقلبها عاليها سافلها فيكون تفضيل الملائكة إذن بهذا الاعتبار ، ولا خلاف في أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر ، وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات فى دار الجزاء ، وليس فى الآية عليه دليل ، وقد يقال : لما كان أكثر ما لبس على النصارى فى ألوهية عيسى عليه السلام كونه موجوداً من غير أب أنبأ الله تعالى أن هذا الموجود من غير أب لا يستنكف من عبادة الله تعالى ولا الملائكة الموجودون من غير أب ولا أم ، فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى عليه السلام ، و يشهد لذلك أن الله تعالي نظر عيسى با آدم عليهما السلام، فنظر الغريب بالأغرب وشبه العجيب من آثار قدرته بالأعجب إذ عيسى مخلوق من آدم عليهما الصلاة والسلام وآدم عليه السلام من غير أب ولا أم ، ولذلك قال سبحانه : ( خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) ومدار هذا البحث على النكتة التي أشير اليها ، فمتى استقام اشتمال المذكور ثانياً على فائدة لم يشتمل عليها الأول بأي طريق كان من تفضيل أو غيره من الفوائد فقد طابق صيغة الآية انتهى *