انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني06.pdf/39

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٣٩

مبحث في ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون) ٣٩ كل واحد منهم أفضل من المسيح ، قال فى الانتصاف : وفيه نظر لأن مورده إذا بي على أن المسيح أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة فقد يقال : يلزمه القول بأنه أفضل من الكل كما أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما كان أفضل من كل واحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان أفضل من كلهم ، ولم يفرق بين التفضيل على التفضيل ، والتفضيل على الجملة أحد من صنف فى هذا المعنى . وقد كان طار عن بعض الائمة المعاصرين تفضيله بين التفضيلين ، ودعوى أنه لا يلزم منه على التفضيل تفضيل على الجملة ، ولم يثبت عنه هذا القول ، ولو قاله فهو مردود بوجه لطيف ، وهو أن التفضيل المراد جل أماراته رفع درجة الأفضل في الجنة ، والاحاديث متظافرة بذلك ، وحينئذ لا يخلو إما أن ترتفع درجة واحد من المفضولين على من اتفق أنه أفضل من كل واحد منهم ، أولا ترتفع درجة أحد منهم عليه لاسيل إلى الأول لأنه يلزم منه رفع المفضول على الفاضل فيتعين الثانى . . وهو ارتفاع درجة الأفضل على درجات المجموع ضرورة فيلزم ثبوت أفضليته على المجموع من ثبوت أفضليته على كل واحد منهم قطعا انتهى . قلت : فما شاع من الخلاف بين الحنفية . والشافعية فى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هل هو أفضل من المجوع كما أنه أفضل من الجميع أم أنه أفضل من الجميع فقط دون المجموع ليس في محله على هذا فتدبر، وقيل في الجواب: إن غاية ما تدل عليه الآية تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين حول العرش، أو من هم أعلى رتبة منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا وفيه النزاع ؛ ورد بأن المدعى أن فى مثل هذا الكلام مقتضى قواعد المعاني الترقى من الأدنى إلى الأعلى دون العكس أو التسوية ، وقد علم أن الحكم في الجمع المحلى بأل على الآحاد وأن المدعى ليس إلا دلالة الكلام على أن الملك المقرب أفضل من عيسى عليه السلام، وهذا كاف فى إبطال القول بأن خواص البشر أفضل من خواص الملك وزعم بعضهم أن عطف الملائكة على المسيح بالواو لا يقتضى ترتيبا، وما يوردمن الأمثلة لسكون الثاني أعلى مرتبة من الأول معارض بأمثلة لا تقتضى ذلك كقول القائل : ما أعاني على هذا الامرزيد. ولا عمرو، وكقولك: لا تؤذ مسلم ا ولا ذميا بل لو عكست في هذا المثال وجعلت الأعلى ثانيا الخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة - كما قال في الانتصاف ثم قال فيه: ولكن الحق أولى من المراد وليس بين المثالين تعارض ، ونحن نمهد تمهيداً برفع اللبس . ويكشف الغطاء، فنقول: النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضها واحدة وهى توجب في مواضع تقديم الأعلى وفي مواضع تأخيره، وتلك النكتة أن مقتضى البلاغة التنائي عن التكرار والسلامة عن النزول فاذا اعتمدت ذلك فهماً أدى إلى أن يكون آخر كلامك نزولا بالنسبة إلى أوله ، أو يكون الآخر مندرجا فى الأول قد أفاده ، وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، واستئنافا لفائدة لم يشتمل عليها الأول، مثاله الآية المذكورة فانك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح على هذا التقدير عبداً غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك أن مادونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبداً الله تعالى وهم الملائكة على هذا التقدير، فلم يتجدد إذن بقوله تعالى : ( ولا الملائكة المقربون ) إلا ماسلف أول الكلام ، وإذا قدرت المسيح مفضولاً بالنسبة إلى الملائكة فكأنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبداً له تعالى إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك، وليس