انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني03.pdf/36

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٣٦

٢٦ تفسير روح المعاني عطفيه وحرك من نشاطه فإن للنفس قوى بعضها مبدأ بذل المال ، وبعضها مبدأ بذل الروح فمن سخر قوة بذل المال لوجه الله تعالى فقد ثبت بعض نفسه ، و من سخر قوة بذل المال وقوة بذل الروح فقد ثبت كل نفس ، وقد يجعل مفعول تثبيتاً محذوفاً أى تثبيتاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم وقلوبهم فمن ابتدائية ما في قوله تعالى: (حسداً من عند أنفسهم) ويحتمل أن يكون المعنى ( وتثبيتاً من أنفسهم) عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد ، وتبيينا من أنفسهم ، وجوز أن تكون (من) بمعنى اللام والمعنى توطينا لأنفسهم . طاعة الله تعالى . وإلى ذلك ذهب أبو على الجبائي - وليس بالبعيد وفيه تنبيه على أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال الذى هو الداء العضال والرأس لكل خطيئة * كمثل جنة بربوة ( أى بستان باشز من الأرض ، والمراد تشبيه نفقة هؤلاء في الزناء بهذه الجنة، اعتبر على كونها في ربوة لان أشجار الربى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً للطاقة هوائها وعدم كثافته بركوده * وقرأ ابن عامر . وعاصم بربوة بالفتح، والباقون بالضم ، وابن عباس بالكسر ، وقرئ رباوة وكلها لغات، وقرئ كمثل حبة - بالحاء والباء ( أصابها وابل ) مطر شديد ) قَالَتْ ( أى أعطت صاحبها أو الناس ونسبة الايتاء إليها مجاز وأكلها بالضم الشيئ المأكول و المراد ثمرها وأضيف إليها لأنها محله أو سيبيه ، وقرأ أبو عمرو . و ابن كثير . ونافع بسكون الكاف تخفيفا ( ضعفين كم أى ضعفا بعد ضعف قالتثنية للتكثير، أو مثلى ما كانت تثمر في سائر الاوقات بسبب ما أصابها من الوابل ، أو أربعة أمثاله بناءاً على الخلاف في أن الضعف هل هو المثل أو المثلان ، وقيل : المراد تأتى أكلها مرتين في سنة واحدة كما قيل في قوله تعالى: (تأتى أكلها كل حين) ونصبه على الحال من أكلها أى مضاعفاً فإن لم يصبها وابل فصل ) اى فيصيبها ، أو فالذي يصيبها طل أو فطل يكفيها ، والمراد أن خيرها لا يخاف على كل حال الجودنها وكرم منبتها و لطافة هوائها والطل الرذاذ من المطر وهو اللين منهه وحاصل هذا التشبيه أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله تعالى لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت بحسب تفاوت ما يقارنها من الاخلاص والتعب وحب المال والا يصال إلى الاحوج التقى وغير ذلك، فهناك تشبيه حال النفقة النامية لا بتغاء مرضاة الله تعالى الزاكية عن الادناس لأنها للتثبيت الناشئ عن ينبوع الصدق والاخلاص بحال جنة نامية زاكية بسبب الربوة وأحد الأمرين الوابل ، والطل، والجامع النمو المقرون بالزكاء على الوجه الاتم ، وهذا من التشبيه المركب العقلى ولك أن تعتبر تشبيه حال أولئك عند الله تعالى بالجنة على الربوة و نفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، فكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل تلك الجنة فكذلك نفقتهم جلت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله تعالى زاكية زائدة فى زلفاهم وحسن حالهم عند ربهم جل شأنه كذا قيل: وهو محتمل - لأن يكون التشبيه حينئذ من المفرق ويحتمل أن يكون من المركب والكلام مساق للارشاد إلى انتزاع وجه الشبه وطريق التركيب، والفرق إذ ذاك بأن الحال للنفقة في الأول وللمنفق في الثاني. والحاصل أن حالهم في إنتاج الفل والكثر منهم الأضعاف لاجورهم كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل الواصلين إليها الاضعاف الأثمارها ، واختار بعضهم الأول ، وأبى آخرون الثاني فافهم ( والله بما تعملون بصير ٢٦٥) فيجازي كلا من المخلص والمرائي بماهو أعلم به ، ففي الجملة ترغيب للأول موترهيب للثاني مع ما فيها من الاشارة