مبحث في قوله تعالى: ( هم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) ٣١ ولا ينقص وهي ظاهرة في أنه يزيد في الكيف وإن كان لا يزيد في الحكم لكن المكلف به هو الجزم الحاصل بالنظر والاستدلال، ويسميه البعض علم اليقين لا الجزم الكائن بالمشاهدة المسمى بعين اليقين فان في التكليف به حرجا في الدين، وأنت تعلم أن في دلالة الآية على زيادة الايمان ونقصه بناءاً على الوجه الذي أشرنا إلى اختياره تردداً كما لا يخفى وفيها أيضا دليل على فضل الخليل عليه الصلاة والسلام ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال حيث أراه سبحانه ماسأله في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه ، وأرى عزيراً عليه السلام ما أراه بعد ما أماته مائة عام . وأعلم أن الله عزيز ) غالب على أمره ) حكيم ٢٦٠) ذو حكمة بالغة في أفعاله فليس بناء أفعاله على الأسباب العادية لمجزه عن خرق العادات بل لكونه متضمنا للحكم و المصالح، حكى أن الله سبحانه لما وفي لا براهيم عليه الصلاة والسلام بما سأل قال له: الإبراهيم نحن أريناك كيف نحي الموتى فأرنا أنت كيف تميت الأحياء مشيراً إلى ما سيأمره به من ذبح ولده عليه الصلاة والسلام وهو من باب الانبساط مع الخليل ودائرة الخلة واسعة إلا أن حفاظ المحدثين لم يذكروا هذا الخبر وليس له رواية في كتب الاحاديث أصلاه ومن باب الإشارة في هذه القصة ) (وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحي المولى ) أى موتى القلوب بداء الجهل ( قال أو لم تؤمن ( أى ألم تعلم ذلك علماً يقينياً ( قال بلى ) أعلم ذلك . ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المشاهدة الخليل وهو المشار إليه بقوله سبحانه: ( ليطمئن قلبي) الذى هو عرشك قال فخذ أربعة من الطير) إشارة إلى طيور الباطن التي في قفص الجسم، وهى أربعة من أطيار الغيب . العقل . والقلب . والنفس . والروح ( فصرهن إليك) أى ضمهن واذبحهن، فاذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت، واذبح طير القلب بسكين الشوق على باب الجبروت ، واذبح طير النفس بسكين العشق في ميادين الفردانية ، واذبح طير الروح بسكين المجر في تيه عزة أسرار الربانية (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً) فاجعل العقل على جبل العظمة حتى يتراكم عليه أنوار سلطنة الربوبية فيصير موصوفاً بها ليدركنى لى بعد فنائه فى ، واجعل القلب على جبل الكبرياء حتى ألبسه سناء قدسى فيتيه في بيداء التفكر منعوتاً بصرف نور المحبة ، واجعل النفس على جبل العزة حتى ألبسها نور العظمة لتصير مطمئنة عند جريان ربويتى عليها فلا تنازعنى فى العبودية ولا تطلب أوصاف الربوبية ، واجعل الروح على جبل جمال الأزل حتى ألبسها نور النور وعز العز وقدس القدس لتكون منبسطة في السكر مطمئنة في الصحو عاشقة فى الانبساط راسخة في التجليات ثم ادعهن ونادهن بصوت سر العشق ( يأتينك سعياً) إلى محض العبودية بجمال الأحدية (واعلم أن الله عزيز) يعزك بعر فانك هذه المعاني واطلاعك على صفاته القديمة (حكيم) في ظهوره بغرائب التجلى لأسرار باطنك، وقد يقال: أشار سبحانه بالأربعة من الطير إلى القوى الأربعة التي تمنع العبد عن مقام العيان وشهود الحياة الحقيقية ، ووقع فى أثر أنها كانت طالوساً. وديكا. وغراباً. وحمامة، ولعل الطاوس إشارة إلى العجب . والديك إلى الشهوة . والغراب إلى الحرص . والحمامة إلى حب الدنيا لإلفها الوكر والبرج ، وفى أثر بدل الحمامة بطة ، وفى آخر نسر ، وكأن الأول إشارة إلى الشره الغالب، والثاني إلى طول الأمل ، ومعنى (نصرهن إليك) حينئذ ضمهن وأملهن إليك بضبطها ومنعها عن الخروج إلى طلب لذاتها و النزوع إلى مألوفاتها ، وفى الأثر أنه عليه الصلاة والسلام أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويخلط لحومها ودماءها بالدق ويحفظ رموسها عنده أى يمنعها عن أفعالها ويزيل هيا تنها عن النفس ويقمع دواعيها وطبائعها و عادتها بالرياضة
صفحة:روح المعاني03.pdf/31
المظهر