انتقل إلى المحتوى

صفحة:روح المعاني03.pdf/30

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
تحتاج هذه الصفحة إلى تصحيح.
٣٠

تفسير روح المعاني يَأْتينك سعياً ) فالدعاء إنما وقع بعد الاحياء . ولا يخفى أن الآثار مع ما فيه من التكلف لا تساعده، وأعظم منه فساداً ما قيل : إنه عليه الصلاة والسلام جعل على كل جبل منهن طيراً حيا ثم دعاها فجاءت فان ذلك مما يبطل فائدة الطلب ويعارض الاخبار الصحيحة فإن أكثرها ناطق بأنه دعاها ميتة متفرقة الاجزاء ، وفي بعضها أن رءوسهن كانت بيده فلما دعاهن جعل كل جزء منهن يأتى إلى صاحبه حتى صارت جتنا ثم أقبلن إلى رءوسهن فانضمت كل جثة إلى رأسها فعادت كل واحدة منهن إلى ما كانت عليه من الهيئة ، وسعياً حال من فاعل - يأتينك أي ساعيات مسرعات ، أو ذوات سعى طيراناً أو مشيا ، وقيل : إطلاق السعى على الطيران مجاز ، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية كقعدت جلوساً . ، ومن الغريب ما نقل عن النضر بن شميل . قال : سألت سعی الخليل بن أحمد عن قوله تعالى : ( يأتينك سعياً ) هل يقال الطائر إذا طار . ؟ فقال : لا قلت : فما معناه ؟ قال: معناه ( يأتينك ) وأنت تسعى سعياً - و وهو من التكلف الغير المحتاج اليه . بمكان - وإنما اقتصر سبحانه على حكاية أوامره جل شأنه من غير تعرض لامتثال خليله عليه الصلاة والسلام ، ولا لما ترتب عليه من آثار قدرته التي علمت النزر منها للايذان بأن ترتب تلك الأمور على الاوامر الجليلة واستحالة تخلفها عنها من الجلاء والظهور بحيث لا حاجة له إلى الذكر أصلا، وزعم بعضهم أن الخليل عليه الصلاة والسلام لم يفعل شيئاً مما اقتضاه ظاهر الكلام وأن الاوامر فيه مثلها فى قولك لمن لا يعرف تركيب الحبر مثلا : خذ كذا و كذا وأمكنهما سحقا وألق عليهما كذا وكذا وضع ذلك فى الشمس مدة أيام ثم استعمله تجده حبراً جيد أفانه لا يقتضى الامتثال إذا كان الغرض مجرد تعليم ، و - الرؤية - هنا علمية ما نقل عن شرح التوضيح ، وإبراهيم حصل له العلم التام بمجرد وصف الكيفية واطمأن قلبه وسكن لبه ، ولهذا لم يذكر الله تعالى ما ترتب على هذه الأوامر من هاتيك الامور ولم يتعرض للامتثال ولم يعبأ بالانماء اليه - بقال ـ أو حال ، ومال إلى هذا القول أبو مسلم فأذكر القصة أيضاً ، وقال : إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما طلب إحياء الموتى من ربه سبحانه وأراه مثالا محسوساً قرب الامر عليه ، والمراد - بصرهن - أملهن ومرنهن على الإجابة - أى عود الطيور الاربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة - والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الارواح إلى الاجساد على سبيل السهولة ولا يخفى أن هذا خلاف إجماع المسلمين ، وضرب من الهذيان لا يركن اليه أرباب الدين وعدول عما يقتضيه ظاهر الآية المؤيد بالاخبار الصحيحة والآثار الرجيحة إلى ماتمجه الإسماع ولا يدعو اليه داع فالحق اتباع الجماعة ويد الله تعالى معهم ، وفى الآية دليل لمن ذهب إلى أن إحياء الموتى يوم القيامة بجمع الاجزاء المتفرقة وإرسال الروح اليها بعد تركيبها وليس هو من باب إعادة المعدوم الصرف لأنه سبحانه بين الكيفية بالتفريق ثم الجمع وإعادة الروح ولم يعدم هناك سوى الجزء الصورى والهيئة التركيبية دون الأجزاء المادية ، واحتج بها بعضهم أيضاً على أن البنية ليست شرطاً في الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الاجزاء والابعاض حياً قادراً على السعى والعدو ، وقال القاضى : دلت الآية على أنه لابد من البنية حيث أوجب. التقطيع بطلان الحياة ، وأجيب بأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، والانفكاك في بعض الاحوال يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الاجزاء كانت دليلا قاطعا على أن البنية ليست شرطا للحياة وفيه تأمل والمشهور أنها حجة على من ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد