لبحث في (والله لا يهدى القوم الظالمين) الآية ٢١٧ المعطوف بماقيد به المعطوف عليه ولو قصد ذلك لآخر ، وقيل : يمنع من ذلك العطف أنهم ليسوا جامعين بين الشهادة والكفر ، وأجيب بالمنع بل هم جامعون وإن لم يكن ذلك معاً، ومن الناس من جعله معطو فأعلى ( كفروا) ولم يتكلف شيئاً مما ذكر ، وزعم أن ذلك في المنافقين وهو خلاف المنقول والمعقول ، والاكثرون من المحققين على اختيار الحالية من الضمير فى ( كفروا) وقد معه مقدرة ، ولا يجوز أن يكون العامل ـ يهدى - لانه يهدى من شهد أن الرسول حق وعليه ، وعلى تقدير العطف على الايمان استدل على أن الاقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان ، ووجه ذلك أن العطف يقتضى بظاهره المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وأن الحالية تقتضى التقييد ولو كان الاقرار داخلا في حقيقة الايمان لخلا ذكره عن الفائدة ، ولو كان عينه يلزم تقييد الشئ بنفسه ولا يخفى مافيه ، وادعى بعضهم أن المراد من الايمان الإيمان بالله ، ومن الشهادة المذكورة الإيمان برسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ، والامر حينئذ واضح فتدبر والله لا يهدى القوم الظالمين ٤٨٦ أى الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالاخلال بالنظر ، ووضع الكفر موضع الايمان فكيف من جاءه الحق، وعرفه ثم أعرض عنه ؛ ويجوز حمل الظلم على مطلقه فيدخل فيه الكفر دخولا أوليا ، والجملة اعتراضية أو حالية ( أوابك) أى المذكورون المتصفون بأشنع الصفات وهو مبتدأ، وقوله سبحانه : جزاؤه وهو مبتدأ، وقوله سبحانه: جَزَاؤُهم أى جزاء فعلهم مبتدأ ثان ، وقوله شأنه : ( أَنَّ عليهم لعنة الله والملكة والناس أجمعين ) خبر المبتدأ الثاني ، وهو وخبره خبر المبتدا الأول قيل: وهذا يدل بمنطوقه على جواز لعنهم ، ومفهومه ينفى جواز لعن غيرهم، واعل الفرق بينهم وبين غيرهم حتى خص اللعز بهم أنهم مطبوع على قلوبهم ممنوعون بسبب خيانة ذواتهم وقبح استعدادهم من الهدى آيسون من رحمة الله تعالى بخلاف غيرهم ، والخلاف فى لعن أقوام بأعيانهم ممن ورد لعن أنواعهم - كشارب خمر معين مثلا مشهور - والنووى على جوازه استدلالا بما ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال : لعن الله تعالى من فعل هذا وبما صح أن الملائكة تلعن من خرجت من بيتها بغير إذن زوجها، وأجيب بأن اللعن هناك للجنس الداخل فيه الشخص أيضا ، واعترض بأنه خلاف الظاهر كتأويل إن وراكبها بذلك بو الاحتياط لا يخفى والمراد من - الناس - إما المؤمنون لانهم هم الذين يلعنون الكفرة ، أو المطلق لان كل واحد يلعن من لم يتبع الحق ، وإن لم يكن غير متبع بناءاً على زعمه ( خلدين فيها ) حال من الضمير في (عليهم ) و العامل فيه الاستقرار، والضمير المجرور - للعنة - أو للعقوبة ، أو للنار ، وإن لم يجر لها ذكر اكتفاء بدلالة اللعنة عليها ( لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينظرون (٨٨) أى لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت عز إلى وقت آخر ، أو لا ينظر اليهم ولا يعتد بهم، والجملة إما مستأنفة ، أو في محل نصب على الحال . ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْد ذلك ) أى الكفر الذي ارتكبوه بعد الايمان ( وَأَصْلَحُوا ) أي دخلوا في الصلاح بناءاً على أن الفعل لازم من قبيل - أصبحوا أى دخلوا في الصباح ، ويجوز أن يكون متعديا و المفعول محذوف أى أصلحواما أفسدوا - ففيه إشارة ما قيل : إلى أن مجرد الندم على ما مضى من الارتداد، والعزم على تركة في الاستقبال غير كاف لما أخلوا به من الحقوق، واعترض بأن مجرد التوبة يوجب تخفيف العذاب ونظر الحق اليهم ، فالظاهر أنه ليس تقييداً بل بيان لأن يصلح ما فسد . وأجيب بأنه ليس بواردلان مجرد الندم والعزم (م ٢٨ - ج ٣ - تفسير روح المعانى )
صفحة:روح المعاني03.pdf/217
المظهر