مبحث في ( إن أولى الناس بإبراهيم ) الآية ١٩٧ أو الموافقة فيما يعد في العرف موافقة ولو لم تكن في المعظم وليست هذه الدعوى من البطلان بحيث لا تخفى على أحد فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : ( وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده ) أي وليسا مشتملين على ذلك وهو من الحرى بالذكر لوكان ، ثم أشار سبحانه إلى ماهم عليه من الحماقة على وجه أتم ، ثم صرح سبحانه بما أشار أو لا فقال: ( ما كان إبراهيم يهودياً ) أى من الطائفة اليهودية المخالفة لما جاء به موسى عليه السلام في نفس الامر ) ولا نصرانياً ( أى من الطائفة النصرانية المخالفة لما جاء به عيسى عليه السلام كذلك (ولكن كان حنيفاً مسلماً ) أى على دين الاسلام الذي ليس عند الله دين مرضى سواه وهو دين جميع الانبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ، وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك اليهود والنصارى ليسوا من الدين في شئ لمخالفتهم في نفس الأمر لما عليه النبيان بل الانبياء ، ثم أشار إلى سبب ذلك بما عرض به من قوله سبحانه : (وما كان من المشركين ) فعلى هذا يكون المسلم - كما قال الجصاص، وأشرنا إليه فيما مر مراراً - المؤمن ولو من غير هذه الامة خلافا للسيوطى فى زعمه أن الاسلام مخصوص بهذه الامة - هذا ما عندى في هذا المقام - فتدبر فلمسلك الذهن اتساع . إن أولَى النَّاس بابرهيم ) ( أولى ) أفعل تفضيل من وليه يليه ولياً وألفه منقلبة عن ياء لأن فاءه واو فلا تكون لامه واواً إذا ليس فى الكلام مافاؤه ولامه واوان إلا واو ، وأصل معناه أقرب ، ومنه ما في الحديث « الأولى رجل ذكر » ويكون بمعنى أحق كما تقول: العالم أولى بالتقديم ، وهو المراد هنا أى أقرب الناس وأخصهم بإبراهيم الذين اتبعوه الى كانوا على شريعته في زمانه ، أو اتبعوه مطلقاً فالعطف في قوله سبحانه : ( وهذا النبي ( من عطف الخاص على العام وهو معطوف على الموصول قبله الذي هو خبر (إن) وقرئ بالنصب عطفاً على الضمير المفعول ، والتقدير - للذين اتبعوا إبراهيم واتبعوا هذا النبي ـ وقرئ بالجر على إبراهيم أى - إن أولى الناس بإبراهيم ، وهذا النبي للذين اتبعوه ـ واعترض بأنه كان ينبغي أن يثنى ضمير ( اتبعوه ) ويقال : اتبعوهما ، وأجيب بأنه من باب ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) إلا أن فيه على ما قيل: الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ امَنُواْ ) إن كان عطفاً على الذين اتبعوه - يكون فيه ذلك أيضا ، وإن كان عطفاً على هذا النبي فلا فائدة فيه إلا أن يدعى أنها للتنويه بذكرهم ، وأما التزام أنه من عطف الصفات بعضها على بعض حينئذ فهو كما ترى ، ثم إن كون المتبعين لا براهيم عليه السلام في زمانه أولى الناس به ظاهر ، وكون نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أولاهم به لموافقة شريعته للشريعة الإبراهيمية أكثر من موافقة شرائع سائر المرسلين لها ، وكون المؤمنين من هذه الامة كذلك لتبعيتهم نبيهم فيما جاء به ومنه الموافق ) والله ولى المؤمنينَ (٢٦٨ ينصرهم ويجازيهم بالحسنى كما هو شأن الولى ، ولم يقل - وليهم - تنبيها على الوصف الذي يكون الله تعالى به ولياً لعباده - وهو الايمان - بناءاً على أن التعليق بالمشتق يقتضى عليه مبدأ الاشتقاق ومن ذلك يعلم ثبوت الحكم للنبي بدلالة النص ، قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال رؤساء اليهود: والله يامحمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك وأنه كان يهوديا ومابك إلا الحسد فأنزل الله تعالى عطفاً . مردانه -
صفحة:روح المعاني03.pdf/197
المظهر